ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة

ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة (http://www.alagidah.com/vb/index.php)
-   الملتقى العلمي لدراسة العقيدة (http://www.alagidah.com/vb/forumdisplay.php?f=62)
-   -   الله الرزاق (http://www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=2362)

عبدالله الهذيل 15-May-2008 06:56 PM

الله الرزاق
 
ذكر أبو سليمان الخطابي ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه شأن الدعاء : أن من دعاء داود عليه الصلاة والسلام: "يا رازق النَّعَّاب في عشه" ـ والنعَّاب هو فرخ الغراب ـ .
فكيف يأتيه رزقه؟!
إن النَّعَّاب إذا تفقأت عنه البيضة خرج أبيض كالشحمة ، فإذا رآه أبواه أنكراه لبياضه فتركاه، فيسوق الله تعالى إليه البقّ، فتقع عليه لزهومة ريحه وشدة نتنه، فيلتقطها ويعيش بها إلى أن يَحْمُمَ ريشه فيسود، فيعاوده أبواه عند ذلك ويألفانه ويلقطانه الحب. ( شأن الدعاء ص 55 )
إن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نتعبد له بأسمائه الحسنى وأن ندعوه بها، لتعود على القلب بأعظم معاني الإيمان واليقين.
و(الرزاق) من أسمائه سبحانه وتعالى، يستحضر المؤمن الحق معناه في جميع شؤونه.
فتراه سليم القلب مطمئن الفؤاد، يضرب في تكسبه وقد فوّض عاقبة جهده إلى من بيده خزائن السماوات والأرض، ويمضي في حياته موقناً أن ما به من نعمة فمن الله تعالى، فلا يسخر شيئاً منها إلا لما يحبه ويرضاه.
أما النفوس التي ضعف فيها التعبد لله بذاك الاسم، فتراها مقبوضة الأيدي والفؤاد، خوفاً أن ينقطع رزقها، أو ينقص قوتها، فلا تتجاوز نظرتها ما تعده أصابع يديها، ولا يتعدى اعتمادها الجهود التي تبذلها .
وهنا ليرجع المرء إلى أول أمره، ليدرك كيف كان يدر عليه الرزق وهو في غفلة عما حوله.
فارجع مع سنين عمرك الماضيات ، كيف كنت ثم كيف صرت ، بدءأ من تلك الظلمات الثلاث في بطن أمك ، لا يسمع لك أنين شكوى ، ولا يرى منك عبرة ألم ، تتغذى من دم أمك الحنون بفضل الرزاق لتتقلب في أطوارك من نطفة إلى علقة إلى مضغة ثم تكون عظاما ثم تكسى عظامك لحما ، والرحم في تلك المراحل أشد ما يكون لك إحاطة وصونا أن تنفذ إليك ولو نسمة من هواء ، حتى إذا اكتملت أيام رحلتك في ذلك المكان صار ذلك الرحم الضام لك أشد ما يكون بك ثقلا ، فضاق بك وصار يدفعك ويلفظك لتخرج منه صارخا إلى هذا الأفق الفسيح في هذه الحياة ...
( فيا بعد ما بين ذلك القبول والاشتمال! حين وضعت نطفة، وبين هذا الدفع والطرد والإخراج، وكان مبتهجاً بحملك، فصار يستغيث ويعج إلى ربه من ثقلك.
فمن الذي فتح لك بابه حتى ولجت، ثم ضمه عليك حتى حفظت وكملت، ثم فتح لك ذلك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر، لم يخنقك ضيقه، ولم تحبسك صعوبة طريقك فيه، حتى خرجت ضعيفاً لا قشرة ولا لباس ولا متاع ولا مال، أحوج خلق الله وأضعفهم وأفقرهم، فصرف ذلك الدم الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين في صدرها تخرج إليك لبناً نقياً؟!
فمن رققه لك وصفاه وأطاب طعمه وحسن لونه، فوافاك به أشد أوقات الحاجة إليه على حين ظمأ شديد، وجوع مفرط جمع لك فيه بين الشراب والغذاء؟!
ومن عطف عليك قلب الأم ووضع فيه الحنان والرحمة، حتى تكون في أهنأ ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها؟! فإذا أحست منك بأدنى صوت أو بكاء قامت إليك وآثرتك على نفسها على عدد الأنفس، منقادة إليك بغير قائد ولا سائق، إلا قائد الرحمة وسائق الحنان، تودّ أن كل ما يؤلمك بجسمها، وأنه لم يطرقك منه شيء ) .

وهكذا الحياة تمر بك تراك فيها مهديا إلى سبل عيشك ، تجوع فتأكل ، وتظمأ فتشرب ، وتكسى وتؤوى ، وتسمع وتبصر ، وتمشي وتبطش ...
فمن هيأ لك هذا وسخره لك؟!
أتراه محض مصادفة؟!
أم تراه حكم الطبيعة؟!
أين الطبيعة عند كونـك نطفـة *** في البطن إذ مشجت به الماآن
أين الطبيعة حين عدت عليقـة *** في أربعين وأربعيـن ثوانـي
أين الطبيعة عند كونك مضغـة *** في أربعين وقد مضى العددان
أترى الطبيعة صورتك مصوراً *** بمسـامـع ونواطـر وبنـان
أترى الطبيعة أخرجتك منكسـاً *** من بطن أمـك واهي الأركان
أم فجّرت لـك باللبـان ثُدِيَّهـا *** فرضَعْتها حتى مضى الحولان
أم صيرت في والديـك محبـة *** فهما بما يرضـيك مغتبطـان
وهكذا تمر في سنين عمرك، ورحمة الله عز وجل لا تنفك عنك، ورزقه لا ينقطع، حتى إذا بلغت أشدك، وضربت في الحياة كما يضرب غيرك، قبضت الفؤاد خشية انقطاع الرزق الذي لم يفارقك لحظة واحدة في أشد حالات ضعفك.
فاتق الله وأجمل في الطلب، واعلم أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.
وكِلْ أمر رزقك بل وجميع أمورك إلى مولاك عز وجل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً )
فرزق الله واسع ، وعطاؤه لا ينفد ، فثق به ربا رزاقا كريما ، وأنت تتقلب في رزقه وعطائه ، فما بك من نعمة فمنه ، فكن في طلب رزقه كما يحب ، لتأخذه من حلاله ، وتنفقه فيما يحبه ويرضاه ...
وياحسرة على أولئك الذين حبستهم أنفسهم في طريق ممقوت في طلب أرزاقهم، فتراهم يضربون فيها سبلاً لا يرضاها عنهم ربهم .
ألم يأن لهم أن يستعينوا الرزاق عز وجل في طلب الحلال الطيب لتطيب به نفوسهم، وتحفظ به أجوافهم وأجواف من يعولون ؟!
فيا من طرقت سبل الربا، ويا من تكسبت ببيع الحرام، ويا من تغذيت بالرشوة والزور، ويا من أخذت المال من غير حقه، والله إن لك في الحلال الطيب غنية عما سواه، فلا يضق أمام ناظريك فسيح أفقه، ولا تغب عنك عظيم بركته.
واعلم أنك حين تترك ما في يديك من كسب حرام ـ وإن رأيته زينة وافرة ـ، فإن الله تعالى يبدلك خيراً منه وأطيب.
وليسمُ ناظرك إلى أعظم رزق وأعلاه، ذاك الذي لا يناله إلا عباد الله المؤمنين ، في مقام كريم قال الله عنه : ( إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
المكتوب باللون الأحمر للإمام ابن القيم في مفتاح دار السعادة

عبدالله القحطاني 15-May-2008 08:31 PM

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ،ونفع بكم...

فهدة 15-May-2008 09:22 PM

اسمح لي فضيلة الشيخ
أن أسطر لك شكراً وتقديراً
على تيك الأسطر،
بالغة النفع،
عظيمة الأثر !
جزاك ربنا خيرا،
ورزقنا جميعاً من خيري الدنيا والآخرة.

زين العابدين 15-May-2008 10:30 PM

جزاك الله خير

زين العابدين 15-May-2008 10:40 PM

جزاك الله خير


ما هو البق ؟

عبدالله الهذيل 17-Jun-2008 05:56 AM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
عذرا على انقطاع وإعادة الموضوع بعد طول عهد ، لكن لا ينقطع تواصل استفادة وإفادة بيننا ..

فضيلة الشيخ عبدالله ... وبارك الله فيكم ونفع بكم وجزاكم خيرا ...
الأخت فهدة .. آمين ، وشكر الله لك وبارك فيك ..
الأخ زين العابدين .. وإياك ، وبارك فيك ...

أما عن البق ، فقد جاء في القاموس المحيط : ( البقة : البعوضة ، ودويبة مفرطحة حمراء منتنة ) .
ولعل المراد ـ والله أعلم ـ عموم هوام الهواء .

سارة 20-Jun-2008 01:39 PM

أثابك الله وبارك في سعيك.


الساعة الآن 05:57 PM بتوقيت مسقط

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir

a.d - i.s.s.w