عرض مشاركة واحدة
قديم 09-Mar-2012, 09:31 PM   #2
عضو متميز
افتراضي رد: أحكام لعن الكافرين وعصاة المسلمين

ثانياً: خطر اللعن:


ليس من صفات أهل الإيمان أن يكون الشخص لُعَنة – أي كثير اللعن للناس( [12](13))- فالمؤمن لا يكون لعّانًا كما قال الرسول عليه السلام: "ليس المؤمن باللعان، ولا الطعان، ولا الفاحش ولا البذيء"( [13](14)).

وكثير اللعن حري بأن يقع لسانه في لعن من لا يستحق فيعرض نفسه للعقاب والوعيد، وقد بيَّن النبي عليه السلام شيئاً من عقوبة اللعانين يوم القيامة بقوله: "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة"( [14](15)).

قال الإمام النووي: "فيه الزجر عن اللعن، وأن من تخلق به لا يكون فيه هذه الصفات الجميلة، لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الإبعاد من رحمة الله تعالى وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم، والتعاون على البر والتقوى، وجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة، وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى فهو في نهاية المقاطعة والتدابر- إلى أن قال-: هذا الذم في الحديث إنما هو لمن كثر منه اللعن لا لمرة واحدة ونحوها، ولأنه يخرج منه أيضاً اللعن المباح، وهو الذي ورد الشرع به..." ( [15](16)).


وقد نهى النبي عليه السلام عن التلاعن بلعنة الله فقال:

"لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار"( [16](17))،

ومن شدة قبح التلاعن بين المسلمين أن جعل النبي عليه السلام لعن المؤمن كقتله كما في الحديث:

"ومن لعن مؤمناً فهو كقتله"( [17](18)).

ومعناه "أنهما سواء في أصل التحريم، وإن كان القتل أغلظ"( [18](19)).

وقال النووي: "لأن القائل يقطعه عن منافع الدنيا وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة، ورحمة الله تعالى،
وقيل معنى لعن المؤمن كقتله في الإثم، وهذا أظهر"( [19](20)).

وقال الحافظ ابن حجر في معناه: "أي لأنه إذا لعنه فكأنه دعا عليه بالهلاك"( [20](21)).


ومن خطورة اللعن بغير حق أن اللعنة ترجع على قائلها، ويبوء بإثمها، ويصير في عداد الفاسقين كما في الحديث

الذي يقول فيه الرسول عليه السلام:

"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"( [21](22)).

وفي الحديث الآخر:

"لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر،

إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك"( [22](23)).


وفي حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- أن رسول الله عليه السلام قال:

"وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه"( [23](24)).

ومن تربية النبي عليه السلام العملية لأمته في تحذيرهم من إطلاق اللعن بغير حق حتى ولو كان في حق الدواب ما رواه عمران بن حصين قال: بينما رسول الله عليه السلام في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت فلعنتها،

فسمع ذلك رسول الله عليه السلام فقال:

"خذوا ما عليها ودعوها، فإنها ملعونة".

قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس، ما يعرض لها أحد( [24](25)).

قال النووي: "إنما قال هذا زجراً لها ولغيرها، وكان قد سبق نهيها ونهي غيرها عن اللعن، فعوقبت بإرسال الناقة والمراد النهي عن مصاحبته لتلك الناقة في الطريق"( [25](26)).


ومما سبق يتبين لنا خطورة إطلاق اللسان باللعن بغير حق وبغير علم، وأن ذلك سبب للوقوع في الإثم والاتصاف بصفات الفاسقين، والحرمان من صفات الصديقين والصالحين،
كما قال عليه السلام: "لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً"( [26](27))


كما تبين أن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة،
وكل ذلك زاجر لأهل الإيمان عن إطلاق ألسنتهم بهذا الخلق المشين،
أو الاتصاف بهذا الوصف القبيح.


يتبع.........

===================

(13) انظر لسان اللسان (1/509) مادة "لعن" والصحاح (6/2196) مادة "لعن".
(14) رواه أحمد (1/416) والترمذي في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في اللعنة برقم (1977) وحسنه، وصححه الألباني كما في صحيح الترمذي (2/189).
(15) رواه مسلم في كتاب البر والصلة برقم (6610).
(16) شرح مسلم للنووي (16/114-115) باختصار.
(17) رواه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في اللعنة برقم (1976) وقال حديث حسن صحيح.
(18) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب باب ما ينهى عن السباب واللعن برقم (6047).
(19) شرح مسلم للنووي (1/294).
(20) شرح مسلم للنووي (16/114).
(21) فتح الباري (10/572).
(22) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب باب ما ينهى عن السباب واللعن برقم (6044)، ومسلم في كتاب الإيمان برقم (221).
(23) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب باب ما ينهى عن السباب واللعن برقم (6045).
(24) رواه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في اللعنة برقم (1978) وقال حسن غريب.
(25) رواه مسلم في كتاب البر والصلة برقم (6604).
(26) شرح مسلم للنووي (16/113).
(27) رواه مسلم في كتاب البر والصلة برقم (6608).
التوقيع
أبو فراس السليماني غير متصل   رد مع اقتباس