عرض مشاركة واحدة
قديم 09-Mar-2012, 09:34 PM   #5
عضو متميز
افتراضي رد: أحكام لعن الكافرين وعصاة المسلمين

ويقرب من دعوة نوح –عليه السلام- دعوة موسى - عليه السلام - على فرعون وملئه كما ذكر الله تعالى ذلك بقوله:

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} (يونس: 88).

قال الحافظ بن كثير: "هذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى عليه السلام على فرعون وملئه لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ظلماً وعلواً وتكبراً وعتواً...
وهذه الدعوة كانت من موسى - عليه السلام- غضباً لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوح عليه السلام...." ( [47](48)).

وقال القرطبي: "استشكل بعض الناس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم، فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن، دليله قول نوح - عليه السلام -" {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} (هود من الآية: 36)،
وعند ذلك قال: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} ( [48](49))
(نوح من الآية: 26).


وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فبتأمل سيرته وأحواله نجد أنه لم يدع على الكفار عموماً،
وإنما جاء عنه الدعاء على بعضهم لأسباب معينة.

فقد دعا على الأحزاب وعلى المشركين وعلى مضر وعلى قريش كما روى البخاري بسنده عن ابن أبي أوفى - رضي الله عنهما- قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب وزلزلهم"( [49](50)).

وفي رواية: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب على المشركين فقال:


"اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم"( [50](51)).

وفي رواية أنه دعاء عليهم بقوله:


"ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، شغلونا عن صلاة الوسطى"( [51](52)).

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في دعاء قنوت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء وفيه:
"اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف"( [52](53)).

وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آذته قريش دعا عليهم فقال:

"اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش"( [53](54)).

قال ابن العربي المالكي:

"ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على من تحزب على المؤمنين وألب عليهم، وكان هذا أصلاً في الدعاء على الكفار في الجملة"( [54](55)).

وعلق النووي على الحديث الذي فيه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بنقل حمى المدينة إلى الجحفة( [55](56)) فقال: "فيه دليل للدعاء على الكفار بالأمراض والأسقام والهلاك"( [56](57)).



ومما سبق يمكن أن نلحظ ما يلي:

(1) أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع على الكفار دعوة عامة تشمل جميعهم.

(2) أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا على بعض أصناف أو طوائف أو قبائل من الكفار لأسباب معينة كفعلهم لمحرم أو صدهم عن واجب أو أذيتهم للمؤمنين.

(3) أن عامة الدعاء على الكافرين المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان لكف شرهم وإزالة بأسهم، وكسر شوكتهم، وتعذيبهم بما يردعهم، ولم يظهر من دعواته صلى الله عليه وسلم رغبته في بقائهم على الكفر، وموتهم عليه.

(4) أنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم دعاء على الكافرين المسالمين لمجرد كفرهم.

(5) أنه صلى الله عليه وسلم امتنع من الدعاء على بعض المشركين كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله: ادع على المشركين، قال: "إني لم أُبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة"( [57](58)).


بل إنه في بعض الأحوال كان يدعو لهم ليتألفهم كما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن دوساً عصت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال:

"اللهم اهد دوساً وائت بهم"( [58](59)).


وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقولـه: "باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم".

وعلق الحافظ بن حجر على ترجمة البخاري وقولـه:

"ليتألفهم" بأن هذا من فقهه وأنه أشار إلى "الفرق بين المقامين، وأنه صلى الله عليه وسلم كان تارة يدعو عليهم، وتارة يدعو لهم،

فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم، ويكثر أذاهم...
والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم، ويرجى تألفهم كما في قصة دوس"( [59](60)).


وقال الحافظ بن حجر في موطن آخر: "وحكى ابن بطال أن الدعاء للمشركين ناسخ للدعاء على المشركين، ودليله قولـه تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} (آل عمران: ) قال: والأكثر على ألا نسخ، وأن الدعاء على المشركين جائز، وإنما النهي عن ذلك في حق من يرجى تألفهم ودخولهم في الإسلام،

ويحتمل في التوفيق بينهما أن الجواز حيث يكون في الدعاء ما يقتضي زجرهم عن تماديهم على الكفر والمنع حيث يقع الدعاء عليهم بالهلاك على كفرهم"( [60](61)).



وبناء على هذا فإنه يمكن أن يقال بأن لعن طائفة من الكفار الأحياء أو صنف منهم على معنى الدعاء عليهم باللعن لا يخلو من حالين:

الحال الأولى: جواز اللعن: على معنى الدعاء عليهم بما يزيل بأسهم ويمحق قوتهم، ويكف شرهم، ويذيقهم من العذاب ما يشغلهم به عن أذية المسلمين وعن التطاول على الدين، ويوقعهم في الذل والصغار، فهذا جائز في حق من طغى وبغى، واستكبر واعتدى، ولعن هؤلاء داخل في الانتصار للدين ولعباد الله المؤمنين،
وهذا المعنى ظاهر فيما سبق نقله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث كان يلعن في قنوته الكفار الذين يصدون عن سبيل الله ويدعو عليهم، وعلى هذا المعنى يحمل ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه وغيره من لعن الكفار،
ويشهد لذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يلعن رعلا وذكوان وعصيه( [61](62)).
وفي رواية: "قنت شهراً يدعو على أحياء من العرب ثم تركه"( [62](63)).
قال النووي: "فيه جواز لعن الكفار وطائفة معينة منهم"( [63](64)).


والحال الثانية: عدم اللعن: وهذا في حق المسالمين، ومن يُسعى في تأليفه وترجى هدايته، فهؤلاء لا يلعنون لما في لعنهم من استعدائهم، ونفورهم ولعدم المصلحة من ذلك،
ويدل لذلك حديث: "اللهم اهد دوسا"، وحديث: "إني لم أبعث لعانا" وحديث: "أسلم سالمها الله"( [64](65)). فالدعاء يكون على العتاة والظلمة الأشرار والمستكبرين والمعاندين للحق دون المسالمين.
قال الحافظ ابن حجر: "إن الدعاء على المشركين بالقحط ينبغي أن يخص بمن كان محارباً دون من كان مسالماً"( [65](66)).


تم بحمد الله تعالى



====================
(48) تفسير ابن كثير (4/694-695) باختصار.
(49) تفسير القرطبي (8/334).
(50) رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين برقم (6392).
(51) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة برقم(2933).
(52) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة برقم(2931).
(53) رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين برقم (6393)، ومسلم في كتاب المساجد برقم (1542).
(54) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة برقم(2934).
(55) أحكام القرآن لابن العربي (4/312).
(56) رواه مسلم في كتاب الحج برقم (1375).
(57) شرح مسلم للنووي (9/503).
(58) رواه مسلم في كتاب البر والصلة برقم (6613).
(59) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم برقم (2937).
(60) فتح الباري (6/134).
(61) فتح الباري (11/234).
(62) رواه مسلم في كتاب المساجد برقم: (1552).
(63) رواه مسلم في كتاب المساجد برقم: (1554).
(64) شرح مسلم للنووي (4/304).
(65) رواه البخاري في كتاب المناقب باب ذكر أسلم وغفار برقم (3513)، ومسلم في كتاب الفضائل برقم (6358).
(66) فتح الباري (2/627).
التوقيع
أبو فراس السليماني غير متصل   رد مع اقتباس