الموضوع: الكفر
عرض مشاركة واحدة
قديم 19-Jan-2010, 03:08 AM   #1
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
رقم العضوية: 1771
المشاركات: 242
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 1771
عدد المشاركات : 242
بمعدل : 0.06 يوميا
عدد المواضيع : 19
عدد الردود : 223
الجنس : ذكر

افتراضي الكفر

الكفر:
الكفر قسمان:كفر أكبر وكفر أصغر.
1-فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار.
2-والكفر الصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود في النار.


أنواع الكفر:
يتنوع الكفر إلى اعتقادي وعملي:

أولاً: الكفر الاعتقادي.
كفر أكبر موجب للخلود في النار ويُخرج من الملة وهو خمسة أنواع:
1-كفر التكذيب والجحود.
والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ﴾ (العنكبوت : 68 ).
وينقسم إلى قسمين بالنسبة لجهة التكذيب:
الأول: هو اعتقاد كذب الرسل وجحود ما جاءوا به، وهذا القسم قليل في الكفار فإن الله تعالى أيد رسله وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة.
الثاني: التكذيب باللسان مع اعتراف القلب وتصديقه وهذا هو الغالب على كثير من الكفار ومثاله كفر فرعون وقومه قال الله تعالى عنهم: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ﴾ (النمل : 14 )، وكفر ثمود قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ (الشمس : 11 )، وكفر مشركي قريش قال الله لرسوله n: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ (الأنعام : 33 ) فهؤلاء جحدوا وكذبوا بألسنتهم فصاروا مكذبين وجاحدين.
وينقسم كفر الجحود والتكذيب بالنسبة للكذب به إلى قسمين:
الأول: كفر مطلق عام وهو أن يجحد جميع ما أنزل الله من كتبه وأرسل من رسله.
الثاني: كفر مقيد خاص مثل أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام أو تحليل محرم من محرماته أو صفة وصف الله بها نفسه أو خبراً أخبر الله به ([1])، أو يقدم عليه قول من خالفه لغرض من الأغراض ويكون بذلك متعمداً لا جاهلاً ولا متأولاً يعذر فيه كالأشاعرة.
وأما جحد ذلك جهلاً أو تأولاً يعذر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه به إذا كان الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحده عناداً أو تكذيباً كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذرون رماده في الريح ([2]) ومع هذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله إذ الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً أو تكذيباً بل جحد كمال القدرة جهلاً وخوفاً.
2-كفر الإباء والاستكبار مع التصديق:
وهو أن يتلقى أمر الله أو أمر رسوله n بالإباء والاستكبار مع عدم جحده وإنكاره مثال ذلك كفر إبليس، فإن إبليس لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار بل تلقاه بالإباء والاستكبار قال الله تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ (البقرة : 34 )، وهذا الكفر هو الغالب على أعداء الرسل كما حكى الله سبحانه وتعالى عن الأمم أنهم قالوا لرسلهم إن أنتم إلا بشر مثلنا وكما حكى الله عن فرعون وقومه أنهم قالوا: ﴿ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴾ (المؤمنون : 47 )، وفرعون في هذه الحالة اجتمع فيه نوعان من الكفر بحسب تعدد المواقف، وقد ذكر الله عنه أنه ادعى الآلهية، فقال تعالى حكاية عنه: ﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ (النازعات : 24 )، وذكر في آية أخرى أنه قال: ﴿ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ (الأعراف : 127 )، ويقول: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص : 38 ).
-ومثال ذلك كفر اليهود قال الله تعالى عنهم: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ ﴾ (البقرة : 146 ) وقال عنهم: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ (البقرة : 89 ) وقد قال اليهود أننا نعرف محمد بأوصافه ولا نشك في صحته وأما أبناءنا فإنه قد يتطرق الشك إلى إثباتهم إليهم.
-ومثال ذلك كفر أبي طالب فقد قال في قصيدته:
ولقد علمت أن دين محمد



من خير أديان البرية دينا


لولا الملامة أو حذار مسبة



لوجدتني سمحاً بذلك مبينا



فهو مصدق للنبي n ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحمية الجاهلية وتعظيم آبائه وأجداده أن يرغب عن ملتهم ويشهد عليهم بالكفر، فكان مستكبراً عن عبادة الله واتباع رسوله.
3-كفر الإعراض:
وهو أن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول n لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به البتة كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي n لما دعاه إلى الإسلام عندما كان في الطائف: "والله لا أقول لك كلمة إن كنت صادقاً فأنت أجلّ في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذباً فأنت أحقر أن أكلمك" قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ (الأحقاف : 3 ).
4-كفر الشك أو الظن:
وهو أن لا يجزم بصدق الرسول n ولا يكذبه بل يشك في أمره.
وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول n جملة فلا يسمعها ولا يلتفت إليها فيكون معرضاً. وأما مع التفاته إليها ونظره فيها فإنه لا يبقى معه شك لأنها مستلزمة للصدق بمجموعها فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار.
مثال ذلك: كفر صاحب الجنتين الذي قال الله عنه: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ﴾ (الكهف: 35-38).
5-كفر النفاق:
وهو أن يظهر بلسانه الإيمان وينطوي قلبه على التكذيب والكفر مثال ذلك حال المنافقين في عهد الرسول n والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون : 3 ). وهذا هو النفاق الأكبر.
ثانياً: الكفر العملي:
كفر العمل ينقسم إلى قسمين:
الأول: قسم يضاد الإيمان وينافيه بالكلية فيكون كفر أكبر كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه.
ثانياً: لا يضاد التوحيد بالكلية بل ينافي كماله الواجب فيكون كفراً أصغر وهو ما ورد من الذنوب تسميته كفراً ولم يصل إلى حد الأكبر.
الأمثلة:
1-قوله n: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ».
2-قوله n: «اثنتان في أمتي هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة ».
3-وما ثبت في السنن من قوله n: «من أتى امرأة من دبرها فقد كفر بما أنزل على
محمد n».
4-وقوله في الحديث الآخر: «من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ».
5-وقوله في الحديث الآخر: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ».
6-ومثله ما كان يتلى وقد نسخ لفظه: «لا ترغبوا عن آباءكم فإنه كفر بكم ».
7-وقوله n: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ».
8-ومن الكفر الأصغر أيضاً كفر النعمة كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ (النحل : 112 ).
ومن الكفر العملي السحر، قال تعالى: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ (البقرة:102) أي بتعلمك السحر.
ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا كفر لحديث زيد بن خالد الجهني: «أتدرون ما قال ربكم الليلة قلنا الله ورسوله أعلم، قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب ».
ومن الكفر العملي:
الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة كسلاً لا جحوداً لوجوبها.
-أما الحكم بغير ما أنزل الله فقد قال تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ (المائدة : 44 ) فاختلف العلماء في ذلك هل هو كفر أصغر أو أكبر:
أ-قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر.
وقال عطاء: هو كفر دون كفر ومعنى ذلك أنه كفر أصغر.
ب-ومن العلماء من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحداً له فيكون كفراً أكبر وهذا قول عكرمة وهو تأويل مرجوح فإن نفس جحوده كفر سواء حكم أو لم يحكم.
ج-ومن العلماء من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام فيكون كفراً أكبر، وهذا تأويل عبدالعزيز الكناني وهو تأويل بعيد إذ الوعيد على نفس الحكم بالمنزل وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه أو ببعضه.
د-ومن العلماء من تأولها على الحكم بمخالفة النص عمداً من غير جهل به ولا خطأ في التأويل. حكاه البغوي عن العلماء فيكون كفراً أكبر.
هـ-ومن العلماء من تأولها على أهل الكتاب فيكون كفراً أكبر وهو قول قتادة والضحاك وهو بعيد لأنه خلاف ظاهر اللفظ فلا يصار إليه.
و-وقال ابن مسعود والحسن إن حكم معتقداً ذلك ومستحلاً له فهو كافر وإن حكم معتقداً أنه راكب محرماً فهو من فساق المسلمين.
ز-من العلماء من جعله كفراً ينقل عن الملة مطلقاً.
*والتحقيق في المسألة أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفر الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم.
1-فإن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله.
غير واجب.
وأنه مخير فيه.
أو استهان مع تيقنه أنه حكم الله.
فهذا كله كفر أكبر.
2-وأعظم منه اعتقاده أن الحكم بما أنزل الله من الكتاب والسنة لا يناسب العصر وأن المناسب هو الحكم بالقوانين الوضعية فهذا أشد كفراً.
قال الشيخ أحمد شاكر: "هذا مثل ما ابتلي به الذين درسوا القوانين الأوربية من رجال الأمم الإسلامية ونسائها أيضاً الذين أشربوا في قلوبهم حبها والشغف بها والذب عنها وحكموا بها وأذاعوها بما ربّوا من تربية أساسها من صنع المبشرين الهداميين أعداء الإسلام ومنهم من يصرح ومنهم من يتوارى ويكادون يكونون سواء فإنا لله وإنا إليه راجعون" أ.هـ.
3-وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعلمه وعدل عنه عصياناً وخوفاً أو طمعاً مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر.
أما من بذل جهده واستفرغ وسعه في معرفة حكم الله فجهله وأخطأه وحكم.
4-بغير ما أنزل الله فهذا مخطئ له حكم المخطئين خطأه مغفور له وله أجر على اجتهاده لحديث: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ».
حكم تارك الصلاة:
وأما ترك الصلاة كسلاً لا جحداً لوجوبها فقد قال عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة » وقال عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
وقد اختلف العلماء هل تركها يكون كفراً أكبر أو يكون كفراً أصغر على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد.
1-أحدهما يكون كفراً أكبر يخرج من الملة.
وهو قول عبدالملك بن حبيب من المالكية وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي، وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه.
وحكاه أبو محمد بن حزم عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبدالرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة.
وهو قول سعيد بن جبير وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وأبي عمر الأوزاعي وأيوب السختياني وعبدالله بن المبارك وإسحاق بن راهويه.
وأختار هذه الرواية من الحنابلة إسحاق بن شاقلا وابن عقيل وابن حامد.
2-الثاني يكفر كفراً أصغر لا يخرج من الملة يوجب استحقاق الوعيد.
وهو قول أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي في رواية واختار هذه الرواية من الحنابلة ابن بطه وذكر أن المذهب على هذا لم نجد خلافاً فيه لقول النبي n في حديث عتبان: «أن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله »، وحديث عبادة بن الصامت: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل » ([3]) .
وحديث أنس بن مالك: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن بره ».
واختاره في المغني والشرح الكبير.
اختيار الإمام ابن القيم وترجيحه:
قال الإمام ابن القيم في رسالته الصلاة بعد حكاية القولين:
فصل في الحكم بين الفريقين وفصل الخطاب بين الطائفتين...
ثم قال معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر ثم يصح النفي والإثبات بعد ذلك.
ويستخلص من كلامه t أن ذلك مبني على معرفة الأصول الآتية:
الأصل الأول: أن الكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر.
الأصل الثاني: أن الإيمان أصل له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيماناً والكفر أصل له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى كفراً.
الأصل الثالث: أن شعب الإيمان منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق وبينهما شعب متفاوتة منها ما يلحق بشعبة الشهادة ومنها ما يلحق بعشبة إماطة الأذى عن الطريق، وكذلك شعب الكفر متفاوتة.
الأصل الرابع: أن شعب الكفر قسمان: قولية – وفعلية.
وكذلك شعب الإيمان قسمان: قولية – وفعلية.
وأن الإيمان قد يزول بزوال شعبة قولية كشعبة الشهادة وقد يزول بزوال شعبة فعلية كشعبة التصديق وأن الكفر قد يحصل بشعبة قولية كالإتيان بكلمة الكفر اختياراً وقد يحصل بشعبة فعلية كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف.
الأصل الخامس: أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل والقول قسمان: قول القلب وقول اللسان، والعمل قسمان: عمل القلب وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان وإذا زال قول القلب وهو التصديق والاعتقاد لم تنفع بقية الأجزاء وإذا زال عمل القلب مع وجود التصديق فهذا موضع الخلاف بين أهل السنة والمرجئة.
الأصل السادس: أنه لايلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً وإن كان ما قام به إيماناً ولا من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد أن يسمى كافراً وإن كان ما قام به كفراً.
الأصل السابع: إن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عن من لم يسلم المسلمون من لسانه ويده وبعد ذلك يبقى أن يقال إذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح وهي الصلاة. ثم يقال هل ينفع تارك الصلاة ما معه من التصديق في عدم الخلود في النار؟ والجواب: أن يقال ينفعه إن لم يكن المتروك شرطاً في صحة الباقي واعتباره وإن كان المتروك شرطاً في اعتبار الباقي لم ينفعه ولهذا لم ينفع الإيمان بالله ووحدانيته وأنه لا إله إلا هو من أنكر رسالة محمد n ولا نفع لصلاة من صلاها عمداً بغير وضوء.
فشعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض تعلق المشروط بشرطه وقد لا يكون كذلك فيبقى النظر في الصلاة هل هي شرط لصحة الإيمان هذا سر المسألة.
*والأدلة الكثيرة تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه ورأس ماله وربحه ومحال بقاء الربح إلا برأس المال فإذا خسرها خسر أعماله كلها وإن أتى بها صورة وقد أشار إلى هذا في الحديث بقوله: «فإن ضيعها فهو لما سواها أضيع »، وقوله: «أول ما ينظر في أعماله الصلاة فإن جازت له نظر في سائر عمله وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله بعد ».
فهذه الأدلة تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة وأن ترك الصلاة ملزوم لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم.
الخلاصة:
أنه يلزم من ترك الصلاة عدم محبة القلب وانقياده ويلزم من عدم محبة القلب وانقياده عدم التصديق الجازم ويلزم من عدم التصديق الجازم الكفر ثم يقول ابن القيم ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودُعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه ويشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له تصلي وإلا قتلناك فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبداً، ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول هذا مؤمن مسلم يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وبعضهم يقول أنه مؤمن كامل الإيمان "المرجئة" إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، أفلا يستحي من هذا قوله من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة والله الموفق. أ.هـ.

([1]) قال الشافعي: "ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوا به كفروا.

([2]) رواه البخاري ومسلم.

([3]) رواه البخاري ومسلم.
التوقيع
وكـمْ منْ عائِـبٍ قـولاً صحـيـحًا * وآفـتـُهُ منَ الـفـهم الـسـقيـم

التعديل الأخير تم بواسطة الصارم المنكي ; 19-Jan-2010 الساعة 03:12 AM.
الصارم المنكي غير متصل   رد مع اقتباس