عرض مشاركة واحدة
قديم 22-Feb-2010, 08:43 PM   #8
عضو متميز
افتراضي

في مقالكم من المغالطات ما يلي
أولا قررتم تعريف المولد بأنه اجتماع طائفة من الناس على تلاوة القرآن، وإنشاد المدائح النبوية المحركة للقلوب إلى فعل الخيراتِ والعملِ للآخرةِ ، مع إطعام الحاضرين الطعام.وهذه دعوى عارية عن الدليل فاستقراء الواقع التاريخي يخالف هذا الادعاء
وقولكم والخلاصة
ذهب جماهير العلماء إلى مشروعية الاحتفال بالمولد، وأنه صورة من صور شكر الله تعالى على ما أنعم الله به علينا من بعثة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلمأيضا هو ادعاء وادعاء عريضوهذا رد مختصر فيه ترجمة للآمر بالمولد ولكاتبه مع الرد على بعض النقاط
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا بعض من ترجمة أبي الخطاب بن دِحية الكلبي الدَّاني السَّبتي.الذي كتب في المولد للمظفر: كان يكتب لنفسه: ذو النسبين بن دحية والحسين. قال أبو عبد الله بن الأبَّار: كان يذكر أنَّه من ولد دحية الكلبي، وكان ...كثير الوقيعة في أئمَّة الجمهور وفي العلماء من السلف. قال محبّ الدين بن النجَّار: وكان خبيث اللسان، أحمق، شديد الكِبَر، قليل النظر في الأمور الدينية، متهافتاً في دينه، وقال قبل ذلك: وذكر أنه سمع كتاب الصلة لتاريخ الأندلس من ابن بَشْكُوال، وأنه سمع من أهل الأندلس، غير أنِّي رأيت الناس مُجمعين على كذبه، وضعفه، وادّعائه لقاء من لم يلقه، وسماع ما لم يسمعه. وكانت أمارات ذلك لائحةً عليه، وكان القلبُ يأبى سماع كلامه، ويشهد ببطلان قوله. وكان يُحكى من أحواله، ويحرِّف في كلامه، وصادف قبولاً من السلطان الملك الكامل، وأقبل عليه إقبالاً عظيماً، وكان يُعظِّمه ويحترمه، ويعتقد فيه، ويتبرَّك به، وسمعتُ من يذكر أنه كان يُسَوِّي له المداس حين يقوم. وكان صديقنا إبراهيم السَّنْهوري المحدّث، صاحب الرحلة إلى البلاد، قد دخل إلى بلاد الأندلس، وذكر لعلمائها ومشايخها أن ابن دحية يدَّعي أنه قرأ على جماعة من شيوخ الأندلس القدماء، فأنكروا ذلك وأبطلوه، وقالوا: لم يلقَ هؤلاء ولا أدركهم، وإنَّما اشتغل بالطلب أخيراً، وليس نسبه بصحيح في ما يقوله، ودحية لم يُعْقِبْ. فكتب السَّنهوري مَحْضَراً، وأخذ خطوطهم فيه بذلك، وقدم به ديار مصر، فاشتكى إلى السلطان منه، فقال: هذا يأخذ من عرضي ويؤذيني؛ فأمر السلطان بالقبض عليه، وأُشهر على حمار، وأُخرج من ديار مصر، وأخذ ابن دحية المحضر وخرَّقهُ.
قال الشيخ شمس الدين: وبسببه بنى السلطان دار الحديث بالقاهرة، وجعله شيخها. وكان يُرمى بشيءٍ من المجازفة، وقيل عنه ذلك للكامل، فأمره بتعليق شيءٍ على الشهاب، فعلَّق كتاباً، تكلَّم فيه على الأحاديث والأسانيد، فلمَّا وقف عليه الكامل قال له بعد أيام: قد ضاع منِّي ذلك الكتاب، فعلِّق لي مثله؛ ففعل، فجاء في الثاني مناقضةُ الأول، فعلم الكامل صحَّة ما قيل عنه. وقال القاضي شمس الدين بن خلِّكان: وكان أبو الخطَّاب بن دِحية، عند وصوله إلى إربل، رأى اهتمام سلطانها الملك المعظَّم مظفَّر الدين بن زين الدين بعمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم، صنَّف له كتاباً سمَّاه: التنوير في مدح السراج المنير، وفي آخر الكتاب قصيدةٌ طويلة مدح بها مظفَّر الدين، وأوَّلها:
لولا الوشاة وَهُمُ ... أعداؤنا ما وَهِمُوا
بالسواد، وفيه يقول شرف الدين بن عُنَيْن:
دِحْيَةُ لم يُعْقِبْ فلِمْ تَعتري ... إليه بالبُهتان والإفكِ؟
ما صحَّ عند النَّاس شيءٌ سوى ... أنَّك من كلبٍ بلا شكِّ
وقد مرَّ في ترجمة الشيخ تاج الدين الكندي شيءٌ من ذكر ابن دحية هذا. وكان شخصٌ من أدباء النصارى يتعصَّب لابن دحية، ويزعم أن نسبه صحيح، فقال فيه تاج العُلَى:
يا أَيُّها العِيسِيُّ ماذا الذي ... تروم أن تُثبته في الصريحْ
إنَّ أبا الخطَّاب من دحيةٍ ... شِبه الذي تذكره في المسيحْ
ما فيه من كلبٍ سوى أنَّه ... ينبح طولَ الدهر لا يستريحْ
أخْرَقُ لا يُهدَى إلى رُشدِهِ ... كالنَّار شرًّا وكلامٌ كريحْ
فردَّه الله إلى غُرْبَةٍ ... أو هاهنا يستُرُه في الضريحْ
فقال ابن دحية:
يا ذا الذي يُعْزَى إلى هاشمٍ ... ذمُّك عندي في البرايا نَبِيحْ
ألستُ أعلى الناس في حفظ ما ... يُسْنَدُ عن جَدِّكُمُ في الصحيحْ
يكون حطِّي منكمُ طعنكم ... في نسبٍ زاكٍ عليَّ صريحْ
وأعجبُ الأمر شقائي بكم ... وأنَّني أُحْمَى بقوم المسيحْ
وأما بدعية المولد فقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى : لتلميذه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : إن كل ما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دينا لم يكن اليوم دينا . وقال : من ابتدع في الإسلام بدعة فرآها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد خان الرسالة ، وذلك لأن الله تعالى قال : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } وأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال : كل ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا فهو بدعة . فهل يكون المولد النبوي بالمعنى العرفي غير بدعة ، وهو لم يكن سنة من سنن الرسول ولا من سنن الخلفاء الراشدين ، ولا من عمل السلف الصالح ، وإنما أحدث في القرون المظلمة من تاريخ الإسلام حيث نجمت الفتن وافترق المسلمون ، واضطربت أحوالهم وساء أمرهم ثم إننا لو سلمنا جدلا أن المولد قربة من القرب بمعنى أنه عبادة شرعية يتقرب بها فاعلها إلى الله تعالى لينجيه من عذابه ، ويدخله جنته فإنا نقول : من شرع هذه العبادة آلله أم الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ والجواب لا ، وإذًا فكيف توجد عبادة لم يشرعها الله ورسوله وهذا مستحيل . وشيء آخر أن العبادة لها حيثيات أربع ، وهي كميتها وكيفيتها وزمانها ومكانها فمن يقدر على إيجاد هذه الحيثيات وتحديدها وتعيينها ؟ لا أحد ؟ وعليه فلم يكن المولد قربة ولا عبادة بحال من الأحوال ، وإذا لم يكن قربة ولا عبادة فماذا عساه أن يكون سوى بدعة ؟ ؟
أما المظفر فذكره السيوطي في كتابه الحاوي فقال :إن الملك المظفر مبتدع بدعة المولد قد أعد سماطا في أحد الموالد التي يقيمها وضع عليه خمسة آلاف رأس غنم مشوي ، وعشرة آلاف دجاجة ، ومائة فرس ، ومائة ألف زبدية ، وثلاثين ألف صحن حلوى . وأنه أقام سماعا للصوفية من الظهر إلى الفجر ، وكان يرقص فيه بنفسه مع الراقصين
إن مما يدل على أن مسألة المولد النبوي الشريف قد اتبع فيها الهوى ولم يتبع فيها الشرع تبرير أهلها لها بالعلل الخمس الآتية وهي :
1- كونها ذكرى سنوية يتذكر فيها المسلمون نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فيزداد حبهم وتعظيمهم له .
2- سماع بعض الشمائل المحمدية ، ومعرفة النسب النبوي الشريف .
3- إظهار الفرح بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم لما يدل ذلك على حب الرسول وكمال الإيمان به .
4- إطعام الطعام وهو مأمور به ، وفيه أجر كبير لا سيما بنية الشكر لله تعالى .
5- الاجتماع على ذكر الله تعالى من قراءة القرآن والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام .
هذه خمس علل تعلل بها بعض مجيزي المولد وهي علل كما سترى غير كافية وباطلة أيضا لما فيها من معنى الاستدراك على الشارع ، بتشريع ما لم يشرعه مع الحاجة إليه . وإليك أيها القارئ بيان بطلان هذه العلل واحدة بعد أخرى .
1 - كون المولد ذكرى إلخ . . هذه تصلح أن تكون علة لو كان المسلم لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في كل يوم عشرات المرات فتقام له ذكرى سنوية أو شهرية يتذكر فيها نبيه ليزداد بذلك إيمانه به وحبه له ، أما والمسلم لا يصلي صلاة من ليل أو نهار إلا ذكر فيها رسوله وصلى عليه فيها وسلم . ولا يدخل وقت صلاة ولا يقام لها إلا ويذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ويصلي عليه . إن الذي تقام له ذكرى خشية النسيان هو من لا يذكر . أما من يذكر ولا ينسى فكيف تقام له ذكرى حتى لا ينسى ، أليس هذه من تحصيل ما هو حاصل ، وتحصيل الحاصل عبث ينزه عنه العقلاء .
2- سماع بعض الشمائل المحمدية الطاهرة والنسب الشريف هذه علة غير كافية في إقامة المولد ، لأن معرفة الشمائل المحمدية والنسب الشريف لا يكفي فيها أن تسمع مرة في العام ، وماذا يغني سماعها مرة ، وهي جزء من العقيدة الإسلامية ؟ إن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يعرف نسب نبيه صلى الله عليه وسلم وصفاته كما يعرف الله تعالى : بأسمائه وصفاته . وهذا لا بد له من التعليم . ولا يكفي فيه مجرد سماع تلاوة قصة المولد مرة في العام .
3 - إعلان الفرح إلخ هذه علة واهية ، إذ الفرح إما أن يكون بالرسول صلى الله عليه وسلم ، أو بيوم ولد فيه ، فإن كان بالرسول صلى الله عليه وسلم فليكن دائما كلما ذكر الرسول ولا يختص بوقت دون وقت ، وإن كان باليوم الذي ولد فيه ، فإنه أيضا اليوم الذي مات فيه ، ولا أحسب عاقلا يقيم احتفال فرح وسرور باليوم الذي مات فيه حبيبه ، وموت الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم مصيبة أصابت المسلمين حتى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون : من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته برسول الله صلى الله عليه وسلم . أضف إلى ذلك أن الفطرة البشرية قاضية : أن الإنسان يفرح بالمولود يوم ولادته ، ويحزن عليه يوم موته ، فسبحان الله ، كيف يحاول الإنسان غرورا تغيير الطبيعة !!
4- إطعام الطعام إلخ . هذه العلة أضعف من سابقاتها ؟ إذ إطعام الطعام مندوب إليه مرغب فيه كلما دعت الحاجة إليه فالمسلم يقري الضيف ويطعم الجائع ويتصدق طوال العام ، ولم يكن في حاجة إلى يوم خاص من السنة يطعم فيه الطعام ، وعليه فهذه ليست بعلة تستلزم إحداث بدعة بحال من الأحوال .
5- الاجتماع على الذكر إلخ هذه العلة فاسدة وباطلة لأن الاجتماع على الذكر بصوت واحد لم يكن معروفا عند السلف فهو في حد ذاته بدعة منكرة . إما المدائح والقصائد بالأصوات المطربة الشجية فهذه بدعة أقبح ولا يفعلها إلا المتهوكون (1) . في دينهم والعياذ بالله تعالى ، مع أن المسلمين العالمين يجتمعون كل يوم وليلة طوال العام في الصلوات الخمس في المساجد وفي حلق العلم لطلب العلم والمعرفة ، وما هم في حاجة إلى جلسة سنوية الدافع عليها في الغالب الحظوظ النفسية من سماع الطرب والأكل والشرب .
وأما القول فيما صح عنه صلى الله عليه وسلم من أنه كان يصوم يوم الاثنين والخميس (2) ، وتعليله ذلك بقوله : « أما يوم الاثنين فإنه يوم ولدت فيه وبعثت فيه ، وأما يوم الخميس فإنه يوم تعرض فيه الأعمال على الله تعالى فأنا أحب أن يعرض عملي على ربي وأنا صائم » .
فوجه الشبهة عندهم والتي خرجوا عليها بدعة المولد هي كونه صلى الله عليه وسلم صام يوم الاثنين وعلله بقوله « إنه يوم ولدت فيه وبعثت فيه » وَرَدُّ هذه الشبهة وإبطالها من أوجه :
الأول : إنه إذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فإن المعقول والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول ربه به وهو الصوم ، وعليه فلنصم كما صام ، وإذا سئلنا قلنا إنه يوم ولد فيه نبينا فنحن نصومه شكرا لله تعالى ، غير أن أرباب الموالد لا يصومونه ، لأن الصيام فيه مقاومة للنفس بحرمانها من لذة الطعام والشراب ، وهم يريدون ذلك ، فتعارض الغرضان فآثروا ما يحبون على ما يحب الله وهي زلة عند ذوي البصائر والنهى ،
والثاني : أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصم يوم ولادته وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح أنه كذلك ، وإنما صام يوم الاثنين الذي يتكرر مجيئه في كل شهر أربع مرات أو أكثر ، وبناء على هذه فتخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول بعمل ما دون يوم الاثنين من كل أسبوع يعتبر استدراكا على الشارع وتصحيحا لعمله وما أقبح هذا إن كان والعياذ بالله تعالى . !!
والثالث : هل النبي صلى الله عليه وسلم لما صام يوم الاثنين شكرا على نعمة الإيجاد والإمداد وهو تكريمه ببعثته إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا أضاف إلى الصيام احتفالا كاحتفال أرباب الموالد من تجمعات ومدائح وأنغام ، وطعام وشراب ؟ والجواب لا ، وإنما اكتفى بالصيام فقط إذًا ألا يكفي الأمة ما كفى نبيها ، ويسعها ما وسعه ؟ ؟ وهل يقدر عاقل أن يقول : لا . وإذًا فلم الافتيات على الشارع والتقدم بالزيادة عليه ، والله يقول : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } ويقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول : « إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة » ويقول : « إن الله حد حدودا فلا تعتدوها ، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وترك أشياء في غير نسيان ، ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها » (3) .
وهاهي ذي رسالة تاج الدين الفاكهاني نقدمها شاهدا على ذلك
قال رحمه الله تعالى بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله : ( أما بعد : فإنه قد تكرر سؤال جماعة من المباركين (4) عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد : هل له أصل في الشرع ، أو هو بدعة وحدث في الدين ؟ ؟ وقصدوا الجواب من ذلك مبينا ، والإيضاح عنه معينا ، فقلت وبالله التوفيق : لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة ، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بدعة أحدثها المبطلون ، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون بدليل أنا إذا أدرنا عليها الأحكام الخمسة : قلنا إما أن يكون واجبا أو مندوبا ، أو مباحا أو مكروها أو محرما ، وليس هو بواجب إجماعا ، ولا مندوبا ، لأن حقيقة المندوب : ما طلبه الشارع من غير ذم على تركه ، وهذا لم يأذن فيه الشارع ، ولا فعله الصحابة ، ولا التابعون ، ولا العلماء المتدينون فيما علمت ، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت ولا جائزا أن يكون مباحا ، لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو محرما ، وحينئذ يكون الكلام في فصلين ، والفرقة بين حالين :
أحدهما : أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه في عياله لا يجازون في ذلك الاجتماع أكل الطعام ، ولا يقترفون شيئا من الآثام . هذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة ، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام ، وعلماء الأنام ، سرج الأزمنة ، وزين الأمكنة .
والثاني : أن تدخله الجناية ، وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه ، وقلبه (5) . يؤلمه ، ويوجعه لما يجد من ألم الحيف وقد قال العلماء : أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف (6) . لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى ، وآلات الباطل من الدفوف والشبابات ، واجتماع الرجال مع الشباب المرد ، والنساء الفاتنات ، إما مختلطات بهم ، أو مشرفات ، والرقص بالتثني والانعطاف ، والاستغراق في اللهو، ونسيان يوم المخاف ، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن . رافعات أصواتهن بالتهتيك والتطريب في الإنشاد ، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع ، والأمر المعتاد ، غافلات عن قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان ، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان ، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب ، وغير المستقلين من الآثام والذنوب . وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات المحرمات فإنا لله وإنا إليه راجعون
-----------------------------------------------
(1) التهوك : التحير والتهور ، والاضطراب في القول ، فالمتهوكون : المتحيرون المتهورون المضطربون في الدين.
(2) رواه ابن ماجه وغيره وهو صحيح.
(3) أخرجه ابن جرير ورواه الحاكم وصححه عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.
(4) يعني به من بارك الله فيهم من المسلمين الذين يريدون أن يعبدوا الله بما شرع ، لا بما ابتدع أهل البدع والأهواء.
(5) يدل هذا التعبير أنهم كانوا يجمعون المال من الناس باسم المولد ، وهو كذلك إذ ما زال أهل الموالد التي تقام على الأولياء إلى اليوم يجمعون المال من عموم الناس للحصول على بركة الولي وشفاعته.
(6) بالقوة والكره وقالوا ما أخذ بوجه الحياء فهو حرام.
ملاحظة : ترجمة بن دحية من الوافي بالوفيات
-بقية الكلام نقل باختصار عن كتاب أبي بكر الجزائري "الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإحجاف"

عبد الرحمن نموس غير متصل