عرض مشاركة واحدة
قديم 02-Apr-2016, 05:28 PM   #7
عضو متميز
افتراضي رد: كي لا تنخدع بالإلحاد متجدد

والقول بأن لكل حادثة سببا قول بديهي يدركه الإنسان تلقائيا ،وبلا دليل ومقدمات و لا يحتاج في تصوره أو التصديق به إلى اكتساب أو معرفة سابقة بل يؤمن به بمجرد تصوره دون روية وتأمل ودون معرفة سابقة ،ويشترك في هذا الإدراك جميع الناس العالم منهم والجاهل الكبير منهم والصغير .

ومن يرى كتابة يعرف أن لها كاتب و لو كانت أول كتابة يراها في حياته ،و من يرى كرسي يعرف أن له صانع و لو كان أول كرسي يراه في حياته ،و من يرى لوحة فنية يعرف أن لها فنان ولو كانت أول لوحة فنية يراها في حياته ،و حتى الطفل الصغير إذا سمع صوتا انتبه إلي مكانه ليعرف سببه و إذا جاع طلب الطعام ليسد جوعته فالعقل يدرك بصورة فطرية وقبلية مستقلة عن الحس والتجربة أن لكل حادثة سببا [1] .

و لأن السببية إحدى مبادئ العقل فهي تتصف بما تتصف به المبادئ العقلية ،و المبادئ العقلية تتصف بصفتين رئيسيتين:
أ‌- أنها ضرورية، أي لا تقبل التعديل ولا الاحتمال، ولا تتوقف على الأفراد والظروف، ولذا فهي فطرية في الإنسان .
ب‌- أنها كلية ، إذ تسلِّم بها كل العقول و تحكم كل الأشياء[2] . .

والسببية مبدأ عام وحكم عام على جميع الأشياء المحدثة ،و الزعم بعدم صحة مبدأ السببية في بعض الأشياء المحدثة كالزعم بعدم صحة مبدأ عدم التناقض في بعض الأشياء أي الزعم بوجود بعض الأشياء المحدثة تحدث بلا سبب كالزعم بأن بعض الأشياء يمكن أن تتصف بصفة، وبنقيض تلك الصفة في وقت واحد و لا يخفى ما في هذا الزعم من الخطأ المبين .

و من المغالطات التي وقع الكاتب فيها أيضا أنه قدح في كلية مبدأ السببية العقلي البديهي بكلام نظري عن التأثير النفقي ، ولا يجوز القدح في المبادئ العقلية البديهية بالكلام النظري ؛ لأن المبادئ العقلية هي الأسس التي يستند إليها العقل في تفكيره و لو جاز القدح في البديهيات بالنظريات لزم فساد البديهيات والنظريات، فإن فساد الأصل يستلزم فساد فرعه، فتبين أن من سوغ القدح في القضايا البديهية الأولية الفطرية بقضايا نظرية فقوله باطل[3] .

وقد توهم الكاتب أن بإمكانه التشكيك في كلية مبدأ السببية ببعض التجارب و الملاحظات مع أن مبدأ السببية مبدأ عقلي نابع من العقل ،وليس الحس والتجربة فلا يعتمد على استقراء التجارب أو المشاهدات ،والانتقال من الجزء إلى الكل حتى يطعن في تعميمه على جميع المشاهدات وجميع التجارب عن طريق تجربة أو ملاحظة تخالف الاستقراء .


و قول الملحد – هداه الله - : ( هناك أشياء في عالمنا تحدث دون أي سبب ) يخالف البديهية القاضية أن لكل حادثة سببا ،ولكل أثر مؤثر و لكل فعل فاعل ولكل نتيجة سبب.

و قوله : ( هناك أشياء في عالمنا تحدث دون أي سبب ) كمن يقول : هناك أشياء تحدث بسبب اللاشيء ،وكمن يقول : أن اللاشيء يمكن أن ينتج شيئا وهذا يخالف البديهة القاضية أن اللاشيء لا يمكن أن يحدث شيئا و أن اللاشيء لا يمكن أن ينتج شيئا ،ولا يمكن لشيء أن يأتي من العدم، وفاقد الشيء إذا كان لا يملكه ولا يملك أسبابه لا يعطيه فكيف يعطي العدم الوجود ؟!!، و كيف يعطي اللاشيء شيئا ؟!! وكيف يحدث اللاشيء شيئا ؟!!

و من المغالطات التي وقع الكاتب فيها أيضا الاحتجاج بالجهل ،ومن المعلوم أن الجهل بالشيء ليس دليلا على أن هذا الشيء غير موجود[4] إذ عدم العلم ليس علماً بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسها [5] ،وقد يكون الشيء موجودًا ولا يعلم دليل وجوده، وقد يكون له أكثر من دليل لكن هذه الأدلة غير معروفة و غير معلومة فعدم العلم بدليل إثبات وجود الشيء ليس دليلا على نفي وجوده , بل دليل على الجهل بدليل إثبات وجوده ، وما يجهله قوم قد يعلمه غيرهم .
و إذا كان الكاتب لا يعلم سببا للتأثير النفقي فبدل من أن يقول التأثير النفقي لا أعلم له سبب أو التأثير النفقي بلا سبب معروف أو بلا سبب معلوم حتى الآن جزم بأن التأثير النفقي ليس له سبب وكأن العلم بميكانيكا الكم قد وصل إلى منتهاه ومن ثم يغلق باب البحث في مسائل ميكانيكا الكم ،و هذا لا يقول به أحد إذ ما يعرفه العلم عن الأشياء أقل كثيرا مما يجهله ،وكم من أمور كان العلم لا يعرف سببها في الماضي ثم اكتشف مؤخرا سببها .

و إن كان لا يمكن تفسير ظاهرة النفق الكمومي أو الاختراق النفقي أو التأثير النفقي Tunneling effect على أسس الميكانيكا الكلاسيكية لكن يمكن تفسيرها على أسس ميكانيكا الكم و ما تقرره ميكانيكا الكم من ازدواجية الموجة والجسيم فالأمواج يمكن أن تسلك كالجسيمات والجسيمات تظهر صفات موجية [6] ،و كما تنص فرضية دي برولي De Broglie hypothesis أن الجسيمات المتحركة تتمتع بخواص ازدواجية[7] فالإليكترون ذو طبيعة مزدوجة بمعنى أنه جسيم مادى له خواص موجية فيمكن أن يتصرف في بعض الأحيان كموجة ويمكن أن يتصرف في البعض الآخر كجسيم .

وظاهرة الاختراق ظاهرة من ظواهر الموجات ،وبسبب الطبيعة المزدوجة للإليكترون فإنه يمكن أن يخترق حاجز الجهد potential energy barrier دون أن يكتسب طاقة إضافية تجعله يخترقه أي أن التأثير النفقي للإليكترون سببه طبيعته المزدوجة Dual nature of electron ،وحمله خصائص موجية .

أيها الأخوة : إن عبور الإلكترون حاجز الجهد ليس معضلة ولم يكسر أي مسلمة طبيعية؛ باختصار فإن سلوك الإلكترون كان موجيا عند التجربة لطبيعته المزدوجة فالتأثير النفقي ناتج من الخواص الموجية للجسيمات .


[1] - مذاهب فلسفية وقاموس مصطلحات لمحمد جواد ص 171
[2] - مدخل جديد إلى الفلسفة للدكتور عبد الرحمن بدوي ص 156

[3] - منهاج السنة النبوية لابن تيمية 2/151
[4] - موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن صالح المحمود ص 245
[5] - الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق لسليمان بن سحمان ص 331

[6] - الكيمياء العامة: المفاهيم الأساسية لريموند تشانغ ص 218

[7] - أساسيات ميكانيكا الكم أ.د. إبراهيم محمود أحمد ناصر د. عفاف السيد عبد الهادي ص 35

التوقيع
د.ربيع أحمد طبيب بشري قليل الوجود في المنتدى
العمر قصير و العلم غزير فلا وقت للكسل بل الجد والعمل هكذا علمنا البشير النذير
ربيع أحمد السلفي غير متصل   رد مع اقتباس