أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم العقيدة ::. > الملتقى العلمي لدراسة العقيدة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-Dec-2016, 04:50 PM   #1
عضو متميز
افتراضي المعتزلة: التعريف بهم، ومنهجهم في العقيدة، وأصولهم، وعقائدهم وموقف السلف منهم..


-تعريف المعتزلة لغةً واصطلاحاً:
الاعتزال لغة:
مأخوذ من اعتزل الشيء وتعزله بمعنى تنحى عنه، ومنه قوله تعالى: (وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ) [الدخان: 21]. أراد إن لم تؤمنوا بي، فلا تكونوا علي ولا معي.
-المعتزلة في الاصطلاح:
فهو اسم يطلق على فرقة ظهرت في الإسلام في أوائل القرن الثاني، وسلكت منهجا عقليا متطرفا في بحث العقائد الإسلامية، وهم أصحاب واصل بن عطاء الغزال الذي اعتزل عن مجلس الحسن البصري
-نشأة المعتزلة:
لقد اختلف الباحثون في وقت ظهور المعتزلة كاختلافهم في أصل تسميتهما، وأهم الأقوال في ذلك قولان:
الأول: قول من يرى أنها ابتدأت في قوم من أصحاب علي – رضي الله عنه – اعتزلوا السياسة، وانصرفوا إلى العقائد، عندما نزل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية.
القول الثاني: قول الأكثرية من الباحثين. يرى هؤلاء أن رأس المعتزلة هو واصل بن عطاء المولود سنة (80هـ)، والمتوفى سنة (131هـ)، وقد كان ممن يحضر مجلس الحسن البصري في زمان فتنة الأزارقة، فثارت تلك المسألة التي شغلت الأذهان في ذلك العصر، وهي مسألة مرتكبي الكبيرة، وذلك أنه دخل رجل على الحسن البصري في حلقته في مسجد البصرة، وبين له مذهب الخوارج في الكبيرة، ومذهب المرجئة، وطلب منه بيان الحكم في ذلك، ففكر الحسن، وقبل إجابته قال واصل بن عطاء: أنا أقول أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن بإطلاق، ولا كافر بإطلاق، بل هو في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، فطرده الحسن واعتزل في ناحية من المسجد يقرر ما أجاب به على أصحابه.
والمعتزلة – في كتبهم – يرون أن مذهبهم أقدم في نشأته من واصل، فيعدون من رجال مذهبهم كثيرا من أهل البيت، ولذلك فإنهم يقولون: إن الاعتزال إنما يعود إلى علي بن أبي طالب، وإن ابنه محمد بن الحنفية أخذ عنه هذا المذهب، ثم أورثه محمد لابنه أبي هاشم أستاذ واصل، فهذا ابن المرتضى ينسب علي بن أبي طالب إلى الاعتزال.
وما يقوله المعتزلة هنا مردود؛ لأمور منها:
1- أن الروايات التي تنسب الاعتزال إلى علي بن أبي طالب لم ترد في كتب المعتزلة؛ إضافة إلى ذلك أن أسانيدها ليست صحيحة؛ مما يدل على أنها من وضعهم.
2- ما أثر عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه كان ينهى عن الخوض في القدر، فكيف ينهى عن شيء ينتحله؟! والمعتزلة قدرية؟
3- أن ما زعمه المعتزلة – هنا – إنما هو مجرد محاولة لإثبات بعض الأصالة لمذهبهم، وأنه لم يخرج عن عقيدة أهل السنة والجماعة إذا نسب إلى علي أو أحد بنيه.
والرأي الأقرب للصواب – والله أعلم – قول الأكثرية، وهو أن رأس الاعتزال هو واصل بن عطاء، وأنه نشأ في سنة ما بين (105 إلى 110) للهجرة في البصرة نتيجة للمناظرة في أمر صاحب الكبيرة ثم خروج واصل برأيه المخالف لشيخه الحسن البصري؛ وبعد ذلك أضاف إلى رأيه في مرتكب الكبيرة آراء أخرى أصبحت فيما بعد من أصول المعتزلة، ومن ثم أخذ كل عالم من علمائهم يأتي برأي حتى تكونت هذه الفرقة.
-أسماء المعتزلة وعلة تلقيبهم بها:
للمعتزلة أسماء كثيرة منها: ما أطلقه الغير عليهم نكاية بهم، ومنها: ما أطلقوه على أنفسهم، وسنعرض بعض هذه الأسماء مع بيان علة التسمية بها – إن شاء الله –
القسم الأول: ما أطلقه الغير عليهم:
1- المعتزلة: بمعنى المنشقين.
2- الجهمية: وسبب تلقيبهم بهذا اللقب، هو أنه لما كانت الجهمية سبقت المعتزلة في الظهور واشتهرت ببعض آرائها، إلا أن سبقها للمعتزلة سبق قريب، ثم لما خرجت المعتزلة كانت قد وافقت الجهمية في مسائل كثيرة، منها: نفي الرؤية والصفات، وخلق الكلام، فكأن توافق الفرقتين جعلهما كالفرقة الواحدة، وبما أن الجهمية أسبق ومسائلها أكثر وبعض مسائل المعتزلة مأخوذة منها، لذا أصبح يطلق على كل معتزلي جهمي، ولا يطلق على كل جهمي معتزلي. ولذلك أطلق أئمة الأثر لفظ الجهمية على المعتزلة فالإمام أحمد في كتابه: (الرد على الجهمية) والبخاري في الرد على الجهمية، ومن بعدهما؛ إنما يعنون بالجهمية المعتزلة؛ لأنهم كانوا في المتأخرين أشهر بهذه المسائل من الجهمية.
وقال الإمام ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة): "لما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المائة الثالثة على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق، ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى.. وطلبوا أهل السنة للمناظرة.. لم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط؛ بل كانت مع جنس الجهمية من المعتزلة والجارية والدرارية، وأنواع المرجئة، فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزليا؛ لأن جهما أشد تعطيلا لنفيه الأسماء والصفات.
3- القدرية: كذلك يلقب المعتزلة بالقدرية. يقول البغدادي – وهو يسوق ما أجمعت عليه المعتزلة: ". . . وقد زعموا أن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم وأنه ليس لله – عز وجل – في أكسابهم وفي أعمال سائر الحيوانات صنع ولا تقدير. ولأجل هذا القول سماهم المسلمون قدرية؛ إلا أن المعتزلة لا يرضون بهذا الاسم؛ ولذا يقولون: إنه أولى أن يطلق على القائلين بالقدر خيره وشره من الله تعالى.
4- الثنوية والمجوسية: يقول المقريزي: إن المعتزلة يدعون الثنوية، لقولهم الخير من الله، والشر من العبد. ولما كان هذا القول يشبه قول الثنوية المجوسية، فإن المعتزلة اكتسبوا علاوة على أسمائهم العديدة اسم المجوسية. ولا شك أن المعتزلة لا يقبلون هذا الاسم، وهم إنما تنصلوا من اسم القدرية وأنكروه بشدة تخلصا من وصمة لقب المجوسية، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم ذم القدرية بتسميتها مجوس هذه الأمة .
5- مخانيث الخوارج: من ألقاب المعتزلة مخانيث الخوارج، وسبب التسمية: أن المعتزلة، ولا سيما شيوخهم الأولين: واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد كانوا يوافقون الخوارج في تخليد مرتكب الكبيرة في النار مع قولهم: إنه ليس بكافر، فهم قد وافقوا الخوارج في التخليد؛ لكن لم يجرأوا على تكفيره؛ ولذا سموا بهذا الاسم .
6- الوعيدية: من أسماء المعتزلة الوعيدية واسم الوعيدية آت من قول المعتزلة بالوعد والوعيد، وهذا القول أحد الأركان التي يقوم عليها الاعتزال، ومعناه: أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده، وأنه لا يغفر الذنوب إلا من بعد التوبة.
7- المعطلة: كان أهل السنة يطلقون على الجهمية الأولى نفاة الصفات اسم المعطلة لتعطيلها الله تعالى عن صفاته . أي تجريده تعالى منها، وكانوا يقصدون من وراء هذه التسمية ذم الجهمية وهجوها.
وحين قام المعتزلة واقتبسوا عن الجهمية الأولى قولها بنفي الصفات، لزمهم اسم المعطلة. يقول الشهرستاني: إن من معاني التعطيل تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي تدل عليها .
وبما أن المعتزلة كانوا يلجأون في الآيات التي لا توافق أغراضهم إلى التأويل، فلا يبعد أن يكون سببا آخر في تسميتهم بالمعطلة ونحن نجد بعض أهل السنة كابن القيم يستعملون في كلامهم عن المعتزلة لفظ المعطلة للدلالة عليهم، فقد وضع ابن القيم كتابه (الصواعق المرسلة) في الرد على الجهمية والمعطلة، وهو يقصد الرد على المعتزلة بالدرجة الأولى .
القسم الثاني: ما أطلقوه على أنفسهم:
1- المعتزلة: سبق أن ذكرنا هذا الاسم من ضمن أسمائهم التي سماهم بها غيرهم، ونورده هنا من ضمن الأسماء التي تسموا بها؛ وذلك أنهم لما رأوا أنه لا خلاص لهم من هذا الاسم، أخذوا يبرهنون على فضله، وأن المراد به الاعتزال عن الأقوال المحدثة والمبتدعة ، وبرهنوا على ما يقولون ببعض النصوص مثل قوله تعالى: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا) [ المزمل: 10]. وذلك لا يكون إلا بالاعتزال عنهم .
2- أهل العدل والتوحيد: فالمعتزلة كانوا يطلقون على أنفسهم أهل العدل والتوحيد ويعنون بالعدل نفي القدر، والقول بأن الإنسان موجد أفعاله تنزيها لله تعالى أن يضاف إليه شر، ويعنون بالتوحيد نفي الصفات القديمة .
والمعتزلة يفضلون أن يدعوا بهذا الاسم ؛ ذلك أنه علاوة على المعنى الحسن الذي يتضمنه، فإنه مشتق من أهم قاعدتين من قواعد الاعتزال اللتين كانت تدور حولهما أكثر تعاليمهم، وهما: أصل العدل، وأصل التوحيد .
3- أهل الحق، والفرقة الناجية، والمنزهون الله عن النقص: كذلك من أسماء المعتزلة التي تسموا بها: أهل الحق، والفرقة الناجية والمنزهون الله عن النقص.
-أبرز شخصيات المعتزلة:
1-واصل بن عطاء الغزال (توفي سنة هـ ـ 131هـ) الذي كان تلميذاً للحسن البصري، ثم اعتزل حلقة الحسن بعد قوله بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين (أي ليس مؤمناً ولا كافراً) وأنه مخلد في النار إذا لم يتب قبل الموت، وقد عاش في أيام عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، والفرقة المعتزلية التي تنسب إليه تسمى: الواصيلة.
2- عمرو بن عبيد: (توفي سنة 143 وقيل144هـ) وهو مولى لبني تميم، وجده "باب، من سبي فارس، ويقال ابن كيسان التيمي، مولاهم، أبو عثمان البصري، من أبناء فارس، شيخ القدرية، والمعتزلة، وكان عمرو بن عبيد يأخذ من مشارب شتى، خلطت عليه ذلك الخير الذي كان يتلقاه في مجلس الحسن البصري؛ حيث كان يصاحب واصلاً إلى مجالس الثنوية والمجوس، مع تأثره بواصل ومجالس المبتدعة، وكان عمرو بن عبيد مشهوراً في زهده، وورعه، ولكن هذا الزهد، والورع، لم يمنعه من الابتداع، والإحداث في الدين. ولذا قيل: أول من تكلم في الاعتزال واصل الغزال فدخل معه عمرو ابن عبيد فأعجب به وزوجه، وله كتاب العدل، والتوحيد، وكتاب الرد على القدرية، يريد أهل السنة.
3-أبو الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف (توفي سنة 226 هـ) مولى عبد القيس وشيخ المعتزلة والمناظر عنها. أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء، طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، فقد تأثر بأرسطو وأنبادقليس من فلاسفة اليونان، وقال بأن " الله عالم بعلم وعلمه ذاته، وقادر بقدرة وقدرته ذاته. وتسمى طائفته بالهذيلية.
4-إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام (توفي سنة 231هـ) وكان في الأصل على دين البراهمة وقد تأثر أيضاً بالفلسفة اليونانية مثل بقية المعتزلة.. وقال: بأن المتولدات من أفعال الله تعالى، وتسمى طائفته بالنظامية.
5-ثمامة بن أشرس النميري (توفي سنة 213هـ)، كان جامعاً بين قلة الدين وخلاعة النفس، مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة. وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين. وكان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق وقيل إنه الذي أغرى المأمون ودعاه إلى الاعتزال، وتسمى طائفته بالثمامية.
6-عمرو بن بحر: أبو عثمان الجاحظ (توفي سنة 256هـ) وهو من كبار كتاب المعتزلة، ومن المطلعين على كتب الفلاسفة، ونظراً لبلاغته في الكتابة الأدبية استطاع أن يدس أفكاره المعتزلية في كتبه مثل، البيان والتبيين، وتسمى طائفته بالجاحظية.
7-القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني (توفي سنة 414هـ) فهو من متأخري المعتزلة، قاضي قضاة الري وأعمالها، وأعظم شيوخ المعتزلة في عصره، وقد أرخ للمعتزلة وقنن مبادئهم وأصولهم الفكرية والعقدية.
ب-منهج المعتزلة في مسائل العقيدة.
- قائم على الاعتماد على العقل كليًّا في الاستدلال لعقائدهم وكان من آثار اعتمادهم على العقل في معرفة حقائق الأشياء وإدراك العقائد، أنهم كانوا يحكمون بحسن الأشياء وقبحها عقلاً فقالوا كما جاء في الملل والنحل للشهرستاني: " المعارف كلها معقولة بالفعل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع أي قبل إرسال الرسل، والحسن والقبيح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح.
-ولاعتمادهم على العقل أيضاً أوَّلوا الصفات بما يلائم عقولهم الكلية، كصفات الاستواء واليد والعين وكذلك صفات المحبة والرضى والغضب والسخط ومن المعلوم أن المعتزلة تنفي كل الصفات لا أكثرها.
-ولاعتمادهم على العقل أيضاً، طعن كبراؤهم في أكابر الصحابة وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب، فقد زعم واصل بن عطاء: أن إحدى الطائفتين يوم الجمل فاسقة، إما طائفة علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر والحسن والحسين وأبي أيوب الأنصاري أو طائفة عائشة والزبير، وردوا شهادة هؤلاء الصحابة فقالوا: لا تقبل شهادتهم.
-وسبب اختلاف المعتزلة فيما بينهم وتعدد طوائفهم هو اعتمادهم على العقل فقط دون النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة، ورفضهم الإتباع.
-وقد فند علماء الإسلام آراء المعتزلة في عصرهم، فمنهم أبو الحسن الأشعري الذي كان منهم، ثم خرج من فرقتهم ورد عليهم متبعاً أسلوبهم في الجدال والحوار.. ثم جاء الإمام أحمد بن حنبل الذي اكتوى بنار فتنتهم المتعلقة بخلق القرآن ووقف في وجه هذه الفتنة بحزم وشجاعة نادرتين.
-ومن الردود قوية الحجة، بارعة الأسلوب، رد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عليهم في كتابه القيم: درء تعارض العقل والنقل فقد تتبع آراءهم وأفكارهم واحدة واحدة ورد عليها ردًّا مفحماً.. وبين أن صريح العقل لا يكمن أن يكون مخالفاً لصحيح النقل.
ج- أبرز معتقداتهم ونقدها في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة.
1-موقف المعتزلة من القرآن الكريم والسنة المطهرة.

أ-موقفهم من القرآن الكريم:
لقد اختلف المعتزلة في الكلام، هل هو جسم أم عرض، على أقوال، أهمها ما يلي:
القول الأول: قول بعضهم؛ أن كلام الله جسم وأنه مخلوق، وأنه لا شيء إلا جسم.
القول الثاني: رأي (النظام) وأصحابه: وهو أن كلام الخلق عرض؛ وهو حركة، لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة، وأن كلام الخالق جسم، وأن ذلك الجسم صوت مقطع مؤلف مسموع، وهو فعل الله وخلقه، وإنما يفعل الإنسان القراءة؛ والقراءة الحركة، وهي غير القرآن.
القول الثالث: رأي أبي الهذيل، وجعفر بن حرب ومعمر، والأسكافي ومن تبعهم؛ وهو أن الكلام عرض مخلوق.
من هذا العرض لخلافهم؛ يتضح أن المعتزلة قد اختلفوا في الكلام هل هو جسم أم لا؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه مخلوق.
يقول القاضي عبدالجبار: "والذي يدل على حدوث كلامه الذي ثبت أنه كلام له؛ أن الكلام على ما قدمناه لا يكون إلا حروف منظومة، وأصواتاً مقطعة، وقد ثبت – فيما هذه حاله – أنه محدث؛ لجواز العدم عليه على ما بيناه في حدوث الأعراض.
وإذا كان كلام الله مخلوقاً؛ فالقرآن – أيضاً – مخلوق، لأنه كلامه.
يقول القاضي عبدالجبار – وهو يتكلم عن مذاهب الناس في القرآن -: "وأما مذهبنا، فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث .
ويقول ابن منتويه: "وقد أطلق مشايخنا كلهم في القرآن أنه مخلوق.
من هذا يتضح لنا عقيدة المعتزلة في القرآن، وهو أنه مخلوق.
وقد تمسكوا في قولهم هذا بشبهات نقلية وعقلية، وليس هنا محل مناقشتها والرد عليها.
ب-موقف المعتزلة من السنة المطهرة:
1-موقفهم من الحديث المتواتر والآحاد.
أ-إنكارهم للحديث المتواتر:
يعتبر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأصل الثاني للتشريع الإسلامي بإجماع علماء الأمة الإسلامية، وتنقسم السنة باعتبار عدد رواتها إلى متواتر وآحاد.
وعرف علماء المصطلح المتواتر بقولهم (هو ما رواه جمع كثير عن جمع كثير يحيل العقل تواطؤهم على الكذب عادة أو صدوره منهم اتفاقا، وأن يكون مستند انتهائهم الحس ويصيب خبرهم إفادة العلم بنفسه لسامعه).
وعرفه أبو عمر يوسف بن عبد البر بأنه (إجماع تنقله الكافة عن الكافة. وهو من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف، ومن رد إجماعهم، فقد رد نصا من نصوص الله يجب استتابته عليه، وإراقة دمه إن لم يتب لخروجه مما أجمع عليه المسلمون، وسلوكه غير سبيل جميعهم) وإن لم ينعقد الإجماع على تواتره، بل وقع الخلاف فيه، يكون منكره من الفاسقين.
ودرج المعتزلة على مخالفة إجماع الأمة على إفادة المتواتر القطع:
وذهب النظام إلى جواز وقوع الكذب في الخبر المتواتر رغم خروج ناقليه عند سامع الخبر عن الحصر بناء على ما يعتقده من أن الحجة العقلية جديرة وقادرة على نسخ الأخبار.
وفي إنكارهم للمتواتر واشتراطهم – لثبوت الخبر – أن يكون أحد رواته من أهل الجنة، تعطيل للأخبار الواردة في الأحكام الشرعية وبذلك ينقصون من الأوامر والنواهي ويتحللون من الشريعة تماما.
ب- ردهم لخبر الآحاد:
وخبر الآحاد هو ما رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة فأكثر دون بلوغ عدد التواتر أو وصل ولكن فقد شرطا من شروط التواتر، وقد اشترط العلماء في راويه لقبوله العدالة والضبط.
ومتى توفرت فيه شروط القبول يصبح حجة معمولا به وجوبا على رأي الجمهور سواء كان خبر الآحاد صحيحا لذاته أو صحيحا لغيره حسنا لذاته أو حسنا لغيره، بل ذهب بعضهم إلى القول بأنه يوجب العلم والعمل جميعا.
وخالف المعتزلة ما ذهب إليه جمهور العلماء المسلمين، وردوا خبر الواحد مشترطين التعدد والتواتر.
وقد استدل علماء السنة على حجية خبر الواحد. فعقد الإمام الشافعي بابا بهذا العنوان في رسالته ، كما أن البخاري عقد في جامعه الصحيح بابا لهذا الغرض ترجم له بقوله: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، ولا يكاد كتاب من كتب المصطلح لا يخلو من إثبات حجية خبر الواحد ودحض الشبه التي تحوم حوله، وقد تولى ابن حجر الرد على حجج المعتزلة في خبر الآحاد وقد طفحت كتب الآثار بأمثلة عديدة تؤيد اعتبار الرسول صلى الله عليه وسلم لخبر الواحد حجة فقد بعث رسله واحدا واحدا إلى الملوك، ووفد عليه الآحاد من القبائل فأرسلهم إلى قبائلهم، وكانت الحجة قائمة بإخبارهم عنه مع عدم اشتراط التعدد.
أما عن قصة توقف أبي بكر في خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة، فهذا ليس منه مطردا، فهو يطلب مزيدا من التثبت والتحوط لا اتهاما للمغيرة، باعتباره راويا فردا. وقد قبل أبو بكر أخبار آحاد كثيرة وقبل عمر كثيرا من أخبار الآحاد العدول:
أ- فقد قبل خبر عبد الرحمن بن عوف وحده في أخذ الجزية من المجوس.
ب – كما قبل خبره في الرجوع عن البلد الذي فيه الطاعون.
ج – وقبل خبر الضحاك بن سفيان في توريث امرأة أشيم من دية زوجها وقد يضطر المعتزلة أحيانا لقبول خبر الواحد لسبب أو لآخر – إلا أنهم حين يضطرون إليه فلا يروونه بصيغة الجزم وإنما يروونه بصيغة التمريض .
وردهم لخبر الآحاد يفسر هدفهم الرامي إلى إنكار أكثر أحكام الشريعة لأن أغلب الفروض والمسائل الشرعية قائمة على أخبار الآحاد .
2 – تشكيك المعتزلة وإنكارهم للكثير من الأحاديث:
لذلك نشهد استخفافا بالحديث وجرأة على حملته بلغت بعمرو بن عبيد إلى القول حين ذكر له حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : الذي رواه الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( إن أحـدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفه ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مـضغـة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه الملك ، فينفخ فيه الروح ، ويـؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه ، واجله ، وعمله ، وشقي أم سعيد ؛ فو الله الـذي لا إلــه غـيره إن أحــدكم ليعـمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعـمل بعـمل أهــل النار فـيـدخـلها . وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فــيسـبـق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).
فقال عمرو (لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته ولو سمعت ابن مسعود يقوله لما قبلته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله - عز وجل - يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا).
وأتت فتاوي المعتزلة ومذاهبهم مختلة القوانين وذلك لأنهم اتبعوا السبل وعدلوا عن الطريق، وبنوا أمرهم على غير أصل وثيق (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [التوبة:109].
ولعزوف المعتزلة عن الحديث قابلهم أهل السنة والجماعة بامتهانهم واحتقارهم مهما كان جاههم ومنصبهم في الدولة، فهذا المعتصم الخليفة العباسي يلتفت إلى أحمد بن حنبل ويقول له: (كلم ابن أبي دؤاد فأعرض عنه أحمد بوجهه وقال: كيف أكلم من لم أره على باب عالم قط؟) يريد عالم الحديث.
وقد بلغ المعتزلة عداؤهم للحديث أن ردوا نصوصا كثيرة صحيحة: فقد ردوا حديث الشفاعة وحديث انشقاق القمر (، كما رد النظام حديث السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه ذلك أن هذين الحديثين يتعارضان مع ما يؤمنان به من نفي القدر وهما حديثان خرجهما البخاري في (الجامع الصحيح).
3- كذبهم في الحديث:
ثبت أن زعماء المعتزلة لا يترددون عن الكذب في الحديث: جاء في مقدمة (صحيح مسلم) (كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث. ومن أمثلة أكاذيبه ما نسبه للحسن البصري حول السكران بالنبيذ من أنه لا يجلد، وسئل أيوب السختياني عن صحة ذلك فقال: (كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يجلد السكران من النبيذ).
ومن أمثلة أكاذيبه أيضا ما نسبه للحسن كذلك من روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)). وقد كذبه أيوب. ولا ريب أن هذا الحديث ظاهر الوضع.
وكثيرة هي المسائل التي ينسب أحكامها إلى الحسن، وهي على الحقيقة من رأيه هو
ولهذا نجد العلماء يضعفون عمرا ويردون أحاديثه. وغيره من المعتزلة.
2-الأصول الخمسة للمعتزلة:
وهي:
1-التوحيد.
2-العدل.
3- الوعد والوعيد.
4- المنزلة بين المنزلتين.
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
1- التوحيد: وخلاصته برأيهم، هو أن الله تعالى منزه عن الشبيه والمماثل (ليس كمثله شيء) ولا ينازعه أحد في سلطانه ولا يجري عليه شيء مما يجري على الناس. وهذا حق ولكنهم بنوا عليه نتائج باطلة منها: استحالة رؤية الله تعالى لاقتضاء ذلك نفي الصفات، وأن الصفات ليست شيئاً غير الذات، وإلا تعدد القدماء في نظرهم، لذلك يعدون من نفاة الصفات وبنوا على ذلك أيضاَ أن القرآن مخلوق لله سبحانه وتعالى لنفيهم عنه سبحانه صفة الكلام.
2- العدل: ومعناه برأيهم أن الله لا يخلق أفعال العباد، ولا يحب الفساد، بل إن العباد يفعلون ما أمروا به وينتهون عما نهوا عنه بالقدرة التي جعلها الله لهم وركبها فيهم وأنه لم يأمر إلا بما أراد ولم ينه إلا عما كره، وأنه ولي كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، لم يكلفهم ما لا يطيقون ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه. وذلك لخلطهم بين إرادة الله تعالى الكونية وإرادته الشرعية.
3- الوعد والوعيد: ويعني أن يجازي الله المحسن إحساناً ويجازي المسيء سوءاً، ولا يغفر لمرتكب الكبيرة إلا أن يتوب .ولا يقبل فيه شفاعة الشافعين.
4- المنزلة بين المنزلتين: وتعني أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين الإيمان والكفر فليس بمؤمن ولا كافر؛ وهذا في الدنيا، وفي الآخرة من أصحاب النار .وقد قرر هذا واصل بن عطاء شيخ المعتزلة.
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فقد قرروا وجوب ذلك على المؤمنين نشراً لدعوة الإسلام وهداية للضالين وإرشاداً للغاوين كل بما يستطيع: فذو البيان ببيانه، والعالم بعلمه، وذو السيف بسيفه وهكذا. ومن حقيقة هذا الأصل أنهم يقولون بوجوب الخروج على الحاكم إذا خالف وانحرف عن الحق.
-موقف المعتزلة من الصحابة رضي الله عنهم:
كان موقف المعتزلة من الصحابة خالياً من كل محبة وإكرام، وتقدير.
-فبعض المعتزلة يعيب على الصحابة الاجتهاد اجتهاد الرأي هذا الذي جعل منه المعتزلة عنواناً لهم، والذي قدموه على القرآن نفسه كما أسلفنا، حين يطبقه الصحابة يصبح عند المعتزلة من العيوب التي لا تغتفر والتي يؤخذ بها وعليها أصحابها.
فهذا النظام يقول: (إن الذين حكموا بالرأي من الصحابة إما أن يكونوا قد ظنوا أن ذلك جائز لهم وجهلوا تحريم الحكم بالرأي في الفتيا عليهم، وإما أنهم أرادوا أن يذكروا بالخلاف وأن يكونوا رؤساء في المذاهب، فاختاروا لذلك القول بالرأي وبذلك نسبهم كما يقول البغدادي (إلى إيثار الهوى على الدين. بل فإن النظام ضرب المثل السيئ في الوقيعة الفاحشة في الصحابة أجمعين. ولم يتورع عن إيجاب الخلود في النار على أعلام الصحابة.
-وحين يفاضل العلماء بين الخلفاء الراشدين حسب إجماع الأمة على مبايعتهم على الخلافة أولاً بأول، نجد أبا علي الجبائي لا يبت في أيهم أفضل؟ إمعاناً في مخالفة إجماع الأمة.
-ولإثارة الشبه وتعميق الحزازات يميعون القول في حقيقة مقتل عثمان، فهذا أبو الهذيل يقول: (لا ندري قتل عثمان ظالماً أو مظلوماً؟)، وقبله يعلن واصل بن عطاء أنه لا يعرف، هل كان عثمان هو المخطئ أم قاتلوه وخذلوه؟
-حتى إذا ما وصل الأمر إلى النظر في أصحاب الجمل وصفين نجدهم ينسبون الصحابة إلى الفسق جلت أقدارهم وعلت عن ذلك علواً كبيراً، فهذا واصل بن عطاء يجعل أحد الفريقين المتخاصمين في الجمل وفي صفين مخطئا لا يعينه تماما كالمتلاعنين فإن أحدهما فاسق لا محالة.. (وأقل درجات الفريقين أنه لا تقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين).
وبناءً على هذا فإنه لم يحكم بشهادة رجلين أحدهما من أصحاب علي والآخر من أصحاب الجمل، فهو يقول: (لو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم. وقبل شهادة رجلين من أصحاب علي وشهادة رجلين من أصحاب طلحة والزبير. إذ قد يكون أحد الفريقين عدلا وعلى صواب، وهو رأي تبناه بعد ذلك ضرار بن عمرو وأبو الهذيل ومعمر ابن عياد السلمي حيث قالوا جميعا: (نحن نتولى كل واحد من الفريقين على انفراد.
وهكذا يكونون قد شكوا في عدالة علي وطلحة والزبير مع شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الثلاثة بالجنة ومع دخولهم في بيعة الرضوان وفي جملة الذين قال الله تعالى فيهم: ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ( [فتح:18].
-وتقدم عمرو بن عبيد خطوة أخرى في تفسيق أصحاب الجمل، فقطع بفسق الطرفين المتحاربين جميعا، وقال: (لا أقبل شهادة الجماعة منهم سواء كانوا من أحد الفريقين أو كان بعضهم من حزب علي وبعضهم من حزب الجمل) .
وبلغ به الأمر في امتهانهم إلى القول: لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان على شراك نعل ما أجزت شهادتهم وهذا منه متساوق مع ما جبل عليه من كراهتهم وشتمهم .
أما إبراهيم النظام وبشر بن المعتمر وبعض المعتزلة، فإنهم صوبوا علياً في حروبه وخطأوا من قاتله، فنسبوا طلحة والزبير وعائشة ومعاوية إلى الخطأ وانتفاء العدالة عنهما.
وقولهم هذا لا شك باطل مرذول ومردود
وما ذهب إليه المعتزلة كما يقول ابن كثير: (باطل مرذول ومردود، وهو مخالف للسنة مخالفة صريحة ذلك أن من الذين كفروهم شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير. كما كان العديد من الصحابة الذين نسبوهم إلى الكذب والضلال ضمن أهل بيعة الرضوان الذين أشاد الله بذكرهم.
ومما يؤيد منافاة طعنهم على الصحابة للسنة الصحيحة ما جاء في صحيح البخاري عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
)) ويشرح ابن حجر معنى القرن فيقول: (والمراد بقرن النبي في هذا الحديث الصحابة).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم :(لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
يقول الغزالي: (فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب سبحانه وتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف ولو لم يرد الثناء، لكان فيما اشتهر وتواتر عن حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأهل في موالاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته كفاية في القطع بعدم التهم).
وقد أجمع سلف الأمة وجماهير الخلف على عدالة الصحابة بما فيهم من لابس الفتن، وصار استنقاصهم آية من آيات الزندقة والمروق عن الإسلام يقول، أبو زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق.
ذلك أن طعنهم وتنقصهم لا يعدو كونه هذيانا بلا دليل إلا مجرد (رأي فاسد عن ذهن بارد، وهوى متبع، وهو أقل من أن يرد والبرهان على خلافه أظهر وأشهر: مما علم من امتثالهم أوامره بعده عليه الصلاة والسلام، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات في سائر الأحيان والأوقات مع الشجاعة والبراعة والكرم والإيثار والأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك، فرضي الله عنهم أجمعين).
-عقيدة المعتزلة في الإيمان:
ذهب الخوارج والمعتزلة إلى أن: (الإيمان قول وعمل، لكنه لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى فيه)، وهو شيء واحد إن ذهب بعضه ذهب كله. وهذا ما دعاهم إلى القول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، لكنهم اختلفوا في حكمه في الدنيا، فقالت الخوارج بكفره، وقالت المعتزلة إنه في منزلة بين المنزلتين.
وقال شيخ الإسلام: (ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعة كلها من الإيمان فإذا ذهب بعض الإيمان، فذهب سائرة، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان) .
وقال: وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان).
هذا ويرى الخوارج والمعتزلة أن الإسلام والإيمان شيء واحد.
-وأهل السنة لا يكفرون أصحاب المعاصي ولا يسلبونهم اسم الإيمان بالكلية.
أما الخوارج فقد ذهبوا إلى كفر مرتكب الكبيرة وخلوده في النار وأنه يعذب فيها عذاب الكفار.
وأما المعتزلة فمشهور قولهم في أصحاب الكبائر أنهم ليسوا مؤمنين ولا كفارا، بل هم بمنزلة بين المنزلتين، لكنهم مخلدون في النار، كما تقول الخوارج، غير أنهم قالوا: إن عذابهم ليس كعذاب الكفار.
قال شيخ الإسلام: (ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار، فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضا على أن نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، ففي الصحيحين عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: (لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
5- عقيدة المعتزلة في خوارق العادات.
الكرامات، جمع كرامة، والكرامة: (أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي، تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين).
وعرفها بعضهم: (بأنها أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة لها تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح. (
فأما الكتاب: فقوله تعالى في قصة مريم عليها السلام: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران: 37].
فروي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: وجد عندها الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد فكان زكريا يقول: (يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) .
وروي عنه قال: عنبا في مكتل في غير حينه .
وعن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وإبراهيم النخعي وقتادة والربيع بن أنس وعطية والسدي وسفيان الثوري: فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء .
وقال تبارك وتعالى في قصة سارة زوجة إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) [هود: 71-73].
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا ثلاثة نفر فيمن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء والله لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم الله أنه قد صدق فيه. قال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان أجير لي عمل على فرق من أرز فذهب وتركه فزرعته فكان من أمره أني اشتريت من ذلك الفرق بقرا، ثم أتاني يطلب أجره فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها فإنها من ذلك فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك فافرج عنا فانساحت عنهم الصخرة.
وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهم كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عليهم ذات ليلة فرقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما من رقدتهما وكرهت أن أرجع فيستيقظا لشربتهما فلم أزل أنتظرهما حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.
وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي فإني راودتها عن نفسها فأبت علي إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت عليها فجئت بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها وتركت لها المائة دينار. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. ففرج الله تعالى عنهم فخرجوا) أخرجه البخاري ومسلم.
وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا: مثل ما كان (أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهي الملائكة نزلت لقراءته)، وكانت (الملائكة تسلم على عمران بن حصين)، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها، وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما. رواه البخاري وغيره وقصة الصديق في الصحيحين (لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر منها فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا). وخبيب بن عدي كان أسيرا عند المشركين بمكة شرفها الله تعالى وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة.
وبين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة:
-منها أن كرامات الأولياء سببها الايمان والتقوى والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله.
وقد قال تعالى:) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تعلمون) [الأعراف:33]
فالقول على الله بغير علم والشرك والظلم والفواحش قد حرمها الله تعالى ورسوله فلا تكون سببا لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن بل تحصل بما يحبه الشيطان وبالأمور التي فيها شرك كالاستغاثة بالمخلوقات أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية.
من القادر على التمييز بين (الأحوال الرحمانية) و(الأحوال الشيطانية)؟
يتمكن إبليس من الإنسان على قدر حظه من العلم، فكلما قل علمه اشتد تمكن إبليس منه، وكلما كثر العلم قل تمكنه منه؛ ولذلك لا تشتبه (الكرامة الرحمانية) بالحال (الشيطانية) إلا عند الجهال، وأهل الأهواء، بخلاف أهل العلم والبصيرة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإذا كان العبد من هؤلاء فرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، كما يفرق الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزيف، وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء، وكما يفرق من يعرف الفروسية بين الشجاع والجبان، وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق وبين المتنبي الكذاب، فيفرق بين محمد الصادق الأمين رسول الله رب العالمين، وموسى، والمسيح، وغيرهم، وبين مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وطلحة الأسدي، والحارث الدمشقي، وباباه الرومي، وغيرهم من الكذابين، وكذلك يفرق بين أولياء الله المتقين، وأولياء الشيطان الضالين).
والفرق بين المعجزة والكرامة: أن المعجزة تكون مقرونة بدعوى النبوة. بخلاف الكرامة فإن صاحبها لا يدعي النبوة وإنما حصلت له الكرامة باتباع النبي والاستقامة على شرعه. فالمعجزة للنبي والكرامة للولي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة.
وذهب بعض الأئمة من العلماء: إلى أن كرامات الأولياء في الحقيقة تدخل في معجزات الأنبياء لأن الكرامات إنما حصلت للولي باتباع الرسول، فكل كرامة لولي هي من معجزات رسوله الذي يعبد الله بشرعه.
وقد أنكر المعتزلة الخوارق وكرامات الأولياء وغالى فيها المتصوفة، أما المعتزلة فقالوا باستحالة ثبوت الكرامة للولي، واحتجوا لذلك بحجج ظنوها عقلية، فقالوا: إذا أثبتنا الكرامة التي هي خوارق العادات للأولياء، فربما اشتبه الولي بالنبي، وربما اشتبه الولي بالساحر، وربما اشتبه الساحر بالنبي؛ ولذلك نحن نمنع هذا الباب ونغلقه إغلاقاً.
الرد على المعتزلة في هذا الزعم: أن الولي لا ينال هذه الكرامة ولا تجرى على يديه إلا باتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك يستحيل أن يدعي ولي لله عز وجل أنه نبي، ولو ادعى أنه نبي لا تجرى على يديه هذه الكرامات، فهذا المأمن من هذا الالتباس والاشتباه، أن الولي لا يمكن أن يزعم في يوم أنه نبي، فهذا فارق بين الولاية والنبوة، إذ إن الولي لا ينال من كرامات الله عز وجل إلا بحسن اتباعه واقتدائه بالنبي عليه الصلاة والسلام.
فإن زعم هذا الولي أنه نبي في يوم من الأيام فهو كاذب؛ ولذلك لا يستحق أن يكون ولياً لله عز وجل.
وأما نفي الاشتباه والالتباس بين الولي والنبي من جهة وبين الساحر من جهة أخرى: أن الساحر إنما يستعين بأسياده من الشياطين في قضاء الحاجات ومعرفة الأخبار، وهذا كفر بالله عز وجل؛ ولذلك قد ثبت في السنة أن الخبر يكون في السماء حتى ينزل إلى السماء الدنيا؛ فتصعد الشياطين فتسترق السمع، فيأخذون الخبر فيضيفون عليه مائة كذبة من عندهم فيوحون بها إلى أوليائهم من الإنس وهم السحرة والكهان.
-عقيدة المعتزلة في الحكمة والتعليل:
كل ما خلقه الله تعالى فله فيه حكمة، والحكمة تتضمن شيئين:
أحدهما: حكمة تعود إليه تعالى، يحبها ويرضاها.
والثاني: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم، يفرحون بها، ويلتذون بها، وهذا يكون في المأمورات وفي المخلوقات (1) .
فهو "سبحانه حكيم، لا يفعل شيئا عبثا ولا بغير معنى ومصلحة وحكمة، هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى" (2) ، وقد ذكر ابن القيم بعضها (3) .
وقد وقع الخلاف في مسألة تعليل أفعال الله على أقوال:
1- قول من نفى الحكمة وأنكر التعليل، وهؤلاء يقولون: إن الله تعالى خلق المخلوقات، وأمر المأمورات، لا لعلة ولا لداع ولا باعث، بل فعل ذلك لمحض المشيئة، وصرف الإرادة، وهذا مذهب الجهمية والأشاعرة وهو قول ابن حزم وأمثاله (4) .
2- إن الله فعل المفعولات وخلق المخلوقات، وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، ولكن هذه الحكمة مخلوقة، منفصلة عنه، لا ترجع إليه، وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم (5) .
3-قول من يثبت حكمة وغاية قائمة بذاته تعالى، ولكن بجعلها قديمة غير مقارنة للمفعول.
4- إن الله فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، وهذه الحكمة تعود إلى الرب تعالى، لكن بحسب علمه، والله تعالى خلق الخلق ليحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه، فهذه حكمة مقصودة واقعة، بخلاف قول المعتزلة فإنهم أثبتوا حكمة هي نفع العباد. وهذا قول الكرامية الذين يقولون: من وجد منه ذلك فهو مخلوق له وهم المؤمنون، ومن لم يوجد منه ذلك فليس مخلوقا له 6).
5-قول أهل السنة وجمهور السلف وهو أن لله حكمة في كل ما خلق، بل له في ذلك حكمة ورحمة
هذه خلاصة الأقوال في هذه المسألة، ويلاحظ أنها تنتهي إلى قولين أحدهما: نفاة الحكمة، وهو قول الأشاعرة ومن وافقهم.
والثاني: قول الجمهور الذين يثبتون الحكمة. وهؤلاء على أقوال: أشهرها قول المعتزلة الذين يثبتون حكمة تعود إلى العباد ولا تعود إلى الرب، وقول جمهور السلف الذين يثبتون حكمة تعود إلى الرب تعالى 7).
ويلاحظ أن من نفى الحكمة والتعليل – كالأشاعرة – دفعه ذلك إلى الميل إلى الجبر وإثبات الكسب والقدرة غير المؤثرة للعبد. ومن إثبات حكمة تعود إلى العباد، جعلوا هذه الحكمة لا تتم إلا بأن تكون العباد هم الخالقين لأفعالهم وهذا قول المعتزلة.
أما أهل السنة فلم يلزمهم لازم من هذه اللوازم الباطلة، ولذلك جاء مذهبهم وسطا في باب القدر.
د- أثر المعتزلة على الفرق الكلامية الأخرى.
الفكر الاعتزالي فكر تراثي قديم نشأ في إطار علم الكلام، وفي زمن حكم الأمويين، نشأت قضايا المعتزلة، وفي القرن الثالث اتحد المعتزلة والشيعة، ففي عهد دولة بني بويه عام 334 هـ في بلاد فارس ـ وكانت دولة شيعية ـ توطدت العلاقة بين الشيعة والمعتزلة وارتفع شأن الاعتزال أكثر في ظل هذه الدولة فعين القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة في عصره قاضياً لقضاء الري عام 360هـ بأمر من الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة البويهي ، وهو من الروافض المعتزلة، يقول فيه الذهبي: " وكان شيعيًّا معتزليًّا مبتدعاً " ويقول المقريزي: " إن مذهب الاعتزال فشا تحت ظل الدولة البويهية في العراق وخراسان وما وراء النهر " .
وممن برز في ذلك العهد: الشريف المرتضى الذي قال عنه الذهبي: " وكان من الأذكياء والأولياء المتبحرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر لكنه إمامي جلد.
ولا تزال الرافضة والزيدية على عقائد المعتزلة إلى يومنا هذا! وإن تبرأ بعضهم منها.
كما أن لعقائد الاعتزال أثراً كبيراً في مذهب الأشعرية، الذي هو أكثر المذاهب رواجاً في العصور المتأخرة.
يقول جمال الدين القاسمي عن المعتزلة: "هذه الفرقة من أعظم الفرق رجالاً، وأكثرها تابعاً، فإن شيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية، والشامية، والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية في اليمن؛ فإنهم على مذهب المعتزلة في الأصول.
وهؤلاء يعدون في المسلمين بالملايين، وبهذا يعلم أن الجهمية المعتزلة ليسوا في قلة فضلاً عن أن يظن أنهم انقرضوا، وأن لا فائدة في المناظرة معهم، وقائل ذلك جاهل بعلم تقويم البلدان، ومذاهب أهلها".
هذا ما يتعلق بانتشارهم ضمن الفرق البدعية الأخرى كالزيدية والرافضة، وغيرهم،
وحقيقة آراء المعتزلة أنها صدى للفلسفة اليونانية الوثنية القديمة وإن سموا مقالاتهم وأراءهم بعلم الكلام.
هـ- العلاقة بين المدرسة العقلية الحديثة والمعتزلة.
العقلانية: مذهب فكري يزعم أنه يمكن الوصول إلى معرفة طبيعة الكون والوجود عن طريق الاستدلال العقلي بدون الاستناد إلى الوحي الإلهي أو التجربة البشرية وكذلك يرى إخضاع كل شيء في الوجود للعقل لإثباته أو نفيه أو تحديد خصائصه.
-وهناك من يحاول اليوم إحياء فكر المعتزلة إذ يعدونهم أهل الحرية الفكرية في الإسلام، ولا يخفى ما وراء هذه الدعوة من حرب على العقيدة الإسلامية الصحيحة، وإن لبست ثوب التجديد في الإسلام أحياناً، وأطلقوا عليه أسماء جديدة مثل … العقلانية أو التنوير أو التجديد أو التحرر الفكري أو التطور أو المعاصرة أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي.
- وقد قوّى هذه النزعة التأثر بالفكر الغربي العقلاني المادي، وحاولوا تفسير النصوص الشرعية وفق العقل الإنساني.. فلجأوا إلى التأويل كما لجأت المعتزلة من قبل ثم أخذوا يتلمسون في مصادر الفكر الإسلامي ما يدعم تصورهم، فوجدوا في المعتزلة بغيتهم فأنكروا المعجزات المادية.. وما تفسير الشيخ محمد عبده لإهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل.. إلا من هذا القبيل.
-وأهم مبدأ معتزلي سار عليه المتأثرون بالفكر المعتزلي الجدد هو ذاك الذي يزعم: (أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة)، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبية شرعية، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة وكل فكر للعقل البشري القاصر.
- وأخطر ما في هذا الفكر الاعتزالي؛ محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص اليقيني من الكتاب والسنة. مثل عقوبة المرتد، وفرضية الجهاد، والحدود، وغير ذلك.. فضلاً عن موضوع الحجاب وتعدد الزوجات، والطلاق والإرث.. إلخ.. وطلب أصحاب هذا الفكر إعادة النظر في ذلك كله.. وتحكيم العقل في هذه المواضيع. ومن الواضح أن هذا العقل الذي يريدون تحكيمه هو عقل متأثر بما يقوله الفكر الغربي حول هذه القضايا في الوقت الحاضر. - ومن دعاة الفكر الاعتزالي الحديث سعد زغلول الذي نادى بنزع الحجاب عن المرأة المصرية وقاسم أمين مؤلف كتاب (تحرير المرأة) و (المرأة الجديدة)، ولطفي السيد الذي أطلقوا عليه: " أستاذ الجيل " وطه حسين الذي أسموه "عميد الأدب.
-وهناك كتاب كثيرون معاصرون، ومفكرون إسلاميون يسيرون على المنهج نفسه ويدعون إلى أن يكون للعقل دور كبير في الاجتهاد وتطويره، وتقييم الأحكام الشرعية، وحتى الحوادث التاريخية.. ومن هؤلاء فهمي هويدي ومحمد عمارة ـ صاحب النصيب الأكبر في إحياء تراث المعتزلة والدفاع عنه ـ وخالد محمد خالد ومحمد سليم العوا، وغيرهم.
ز- موقف السلف من المعتزلة.
هذه بعض أقوال بعض أئمة السلف ومقالاتهم التي تدل على موقفهم من المعتزلة وسلفهم الجهمية:
1- سفيان بن سعيد الثوري "أمير المؤمنين في الحديث".
قال: "من قال: (إن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ) [الإخلاص: 1-2] مخلوق، فهو كافر".
2- مالك بن أنس "إمام دار الهجرة":
قال عبد الله بن نافع – صاحبه -: كان مالك بن أنس رحمه الله يقول: "من قال: القرآن مخلوق، يوجع ضرباً، ويحبس حتى يموت".
وقال ابن نافع أيضاً: قال مالك: "من قال: القرآن مخلوق يؤدب ويحبس حتى تعلم منه التوبة".
وقال رحمه الله: "من قال: القرآن مخلوق يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه".
3- عبدالله بن المبارك "الإمام العلم".
كان يقول: "الجهمية كفار".
وقال محمد بن أعين "ثقة صدوق": سمعت النضر بن محمد يقول: من قال: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي) [طه: 14] مخلوق، فهو كافر.
قال: فأتيت ابن المبارك فقلت له: ألا تعجب من أبي محمد قال كذا وكذا؟
قال: "وهل الأمر إلا ذاك، وهل يجد بداً من أن يقول هذا؟".
4- أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي صاحب أبي حنيفة "الثقة الصدوق الفقيه".
قال: "جيئوني بشاهدين يشهدان على المريسي، والله لأملان ظهره وبطنه بالسياط، يقول في القرآن" يعني: مخلوق.
قلت: ونصوص الأئمة في تكفير المريسي – وهو بشر بن غياث، رأس من رؤوس المعتزلة الجهمية – كثيرة.
5- سفيان بن عيينة الهلالي "إمام حجة فقيه".
قال: "القرآن كلام الله عز وجل، من قال: مخلوق، فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر".
6- عبدالرحمن بن مهدي "علم، من أثبت المحدثين وأحفظهم".
قال: "من زعم أن الله تعالى لم يكلم موسى صلوات الله عليه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه".
وقال: "لو كان لي من الأمر شيء لقمت على الجسر، فلا يمر بي أحد إلا سألته عن القرآن، فإن قال: إنه مخلوق، ضربت رأسه ورميت به في الماء".
وقيل له: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق، فقال: "إن الجهمية لم يريدوا ذا، وإنما أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش استوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله تعالى كلم موسى، وقال الله تعالى: (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء: 164]، وأرادوا أن ينفوا أن يكون القرآن كلام الله تعالى، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم"
7- يحيى بن معين "العلم، إمام أهل الحديث".
قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر".
وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي "ثقة حافظ": أخبرني يحيى بن معين أنه يعيد صلاة الجمعة مذ أظهر عبد الله بن هارون المأمون ما أظهر، يعني: القرآن مخلوق.
وقال أحمد بن زهير "ابن أبي خيثمة": سمعت أبي – وسأل يحيى بن معين – فقال: إنهم يقولون: إنك تقول: القرآن كلام الله وتسكت، ولا تقول: مخلوق، ولا غير مخلوق، قال: "لا" فعاودته، فقال: "معاذ الله: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال غيره هذا فعليه لعنة الله"
8- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل.
والنقل عنه في تكفيرهم ومجانبتهم، وترك الصلاة خلفهم، والكشف عن مساوئهم، لا يدخل تحت الحصر، فمن ذلك:
قال أبو داود: قلت لأحمد: من قال: القرآن مخلوق، أهو كافر؟ قال: "أقول: هو كافر".
وقال حنبل: سمعت أنا عبدالله بن حنبل – وسأله يعقوب الدورقي عمن قال: القرآن مخلوق؟ - فقال: "من زعم أن علم الله تعالى وأسماءه مخلوقة، فقد كفر بقول الله عز وجل: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران: 61] أفليس هو القرآن؟ ومن زعم أن علم الله تعالى وأسماءه وصفاته مخلوقة، فهو كافر، لا شك في ذلك، إذا اعتقد ذلك، وكان رأيه ومذهبه دينا يتدين به، كان عندنا كافراً".
وقال عبدالله ابنه: سمعت أبي رحمه الله يقول: "من قال ذلك القول لا يصلى خلفه الجمعة ولا غيرها، إلا أنا لا ندع إتيانها، فإن صلى رجل أعاد الصلاة" يعني: خلف من قال: القرآن مخلوق.
وقال عبدالله: سمعت أبي رحمه الله يقول: "إذا كان القاضي جهمياً فلا تشهد عنده".
وقال محمد بن يوسف بن الطباع "وكان ثقة": سمعت رجلاً سأل أحمد بن حنبل، فقال: يا أبا عبدالله، أصلي خلف من يشرب المسكر؟
فقال: "لا".
قال: فأصلي خلف من يقول: القرآن مخلوق؟
فقال: "سبحان الله، أنهاك عن مسلم، وتسألني عن كافر؟".
وقال صالح ابنه عنه: "من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، ومن زعم أن أسماء الله مخلوقة كفر، لا يصلى خلف من قال: القرآن مخلوق، فإن صلى رجل أعاد"
9- محمد بن إسماعيل البخاري "العلم، صاحب الصحيح".
قال: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت أضل في كفرهم منهم – يعني الجهمية – وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم".
وقال: "ما أبالي، صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم"
10- أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة "إمام الأئمة".
قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق: فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه"
ولقد وقع في كلام بعض الأئمة تكفير بعض أعيان الجهمية، كفر جماعة من السلف الجعد بن درهم – أصل هذه الفتنة – وآخرون جهم بن صفون – رأسها – وآخرون بشراً المريسي – المنافح عنها – وكفر الشافعي رحمه الله حفصاً الفرد – أحد دعاتهم – وهم بقتله.
التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نور الهدى غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 04:47 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir