أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم العقيدة ::. > الملتقى العلمي لدراسة العقيدة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-Dec-2016, 02:07 PM   #1
عضو متميز
افتراضي تكفير المسلم وتفسيقه، وضوابط ذلك.


عناصر الموضوع:
1-تعريف الكفر في اللغة، والشرع.
2-تعريف التكفير في الشرع.
3-خطورة التكفير.
4-ضوابط التكفير.

*الكفر في اللغة: مأخوذ من الستر والتغطية. ومنه قيل لليل: كافر، لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزارع كافراً، لأنه يستر الحبة بالتراب.
*تعريف الكفر في الشرع: خلاف الإيمان وضده، أو هو رد الحق بعد معرفته.
والكفر يكون قولا وعملا واعتقادا وتركا، كما أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.
وهذا مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة، خلافا لمن حصر الكفر في التكذيب أو الجحود بالقلب أو بالقلب واللسان، ونفى أن يكون بالعمل أو بالترك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الكفر عدم الإيمان بالله ورسوله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب أو إعراض عن هذا حسدا أو كبرا أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة".
وقال ابن القيم رحمه الله: وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا، وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف.
*تعريف التكفير في الشرع: هو الحكم على أحد من الناس بأنه قد خرج من الإسلام، ووصفه بوصف الكفر لإتيانه بما يوجب كفره.
*خطورة التكفير:
التكفير أمره عظيم وخطره جسيم، وهو بغي شديد. يقول ابن أبي العز الحنفي: "فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار".
فالحكم على معين بالكفر يترتب عليه أمور في الدنيا وأمور في الآخرة:
أما أمور الدنيا فيترتب عليه قطع الأخوة الدينية بينه وبين إخوانه المسلمين، وفسخ نكاحه، ومنع التوارث بينه وبين قرابته المسلمين، كما يوجب شرعاً قتله للردة، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
أما أمور الآخرة فهي أخطر وأعظم، وهي حرمان الإنسان من رحمة الله تعالى والخلود في النار، وقطع رجائه من الخروج منها، وعدم استحقاقه للشفاعة.
كما قد ورد الوعيد الشديد لمن وصف أحداً من المسلمين بالكفر، وهو ليس بكافر، وذلك كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه: "أيما امريء قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت إليه". وفي حديث آخر: "من قال لأخيه كافر أو عدو الله ثم لم يكن كذلك إلا حار عليه".
فهذا وعيد شديد لمن وصف أحداً من الناس بالكفر وليس بكافر. ومذهب أهل السنة في ذلك أنهم لا يكفرون بالذنوب، فقد روي أن رجلاً سأل جابر بن عبد الله: هل كنتم تدعون أحداً من أهل القبلة مشركاً؟ قال: معاذ الله. ففزع من ذلك. قال: هل كنتم تدعون أحداً منهم كافراً؟ قال: لا ".
وإذاً المعين من أهل القبلة ما نشهد عليه بالكفر نقول: إنه كافر، ولا نشهد عليه بشرك نقول: مشرك، ولا نشهد عليه بنفاق أو بفسق، إلا إذا ظهر منه ما يدل على ذلك، إذا ظهر منه كفر شهدنا له بالكفر، ظهر منه شرك شهدنا له بالشرك، ظهر منه نفاق شهدنا له بالنفاق، ظهر منه فسق شهدنا له بالفسق أما إذا لم يظهر؛ فإننا نكل سريرته إلى الله نجريه على ظاهره وذلك؛ لأنا قد أمرنا بالحكم الظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم، وهذا من قواعد الشريعة العامة، وهو وجوب الحكم بالظاهر والأمر بأن تكل السرائر إلى الله تعالى؛ ولذلك نهى الله عن الظن.
ومن الأدلة على هذا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} ومن رمى أحداً بكفر، أو فسق، أو شرك، أو نفاق بغير دليل، فهو محقر له، ساخر منه، ومن الأدلة قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِن بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} ووجه الدلالة أن من رمى إنسانا بكفر، أو فسق بدون شيء ظاهر منه، فهو ظن، والظن منهي عنه، ومن الأدلة قول الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) } ومن رمى أحدا بكفر، أو فسق، أو نفاق، أو شرك بغير دليل، فقد قفا ما ليس له به علم.
*ضوابط التكفير:
لخطورة التكفير وما يترتب عليه من الأمور الخطيرة في الدنيا والآخرة فقد جعل الشارع له ضوابط يجب مراعاتها، حفاظاً على أواصر الأخوة الدينية بين المسلمين، فلا يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً إلا وفق الضوابط المبيحة لذلك، وهي:
أولا: ألا يكفر إلا من كفره الله ورسوله.
إن الكفر والتكفير حكم شرعي مثل الإسلام والإيمان أحكام شرعية لا يجوز إطلاقها على أحد إلا من استحقها من خلال الشرع، فمن كفره الله ورسوله فهو كافر ومن لم يكفره الله ورسوله فلا يكفر.
ومن كفر بعقله أو قياسه فهو مخطئ متجاوز للحدود الشرعية وهو كمن شهد لأحد بالصلاح والإيمان لمجرد أنه رآه يحسن الحساب أو الهندسة أو الطب، أو شهد لنصراني بالإسلام لأنه ذو خلق حسن ومعشر حسن.
كما أن أهل السنة لا يكفرون من كفرهم لأن التكفير حكم شرعي وليس داخلا في العقوبة بالمثل وذلك كمن كذب عليك أو سرق مالك أو زنى بأحد محارمك ليس لك أن تفعل ذلك به، لأن هذه الأعمال محرمة في حق كل أحد لحق الله تعالى، كذلك التكفير هو حق لله تعالى. ومما يدل على ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكفروا الخوارج مع أن الخوارج كانوا يكفرون عليا وعسكره، بل كانوا يرون أنهم ضلال انحرفوا عن الحق.
ثانيا: التفريق بين التكفير المعين والتكفير المطلق
التكفير عند أهل السنة على نوعين معين ومطلق.
أما تكفير المعين: فهو وصف شخص ما لعمل قام به أو قول قاله بأنه كافر، وهذا لا يجوز إلا بشروط وانتفاء موانع وسنذكر ذلك.
أما التكفير المطلق: فهو إطلاق الكفر على الفعل أو القول أو الاعتقاد وعلى فاعل ذلك على سبيل الإطلاق، وهذا النوع قد ورد في الشرع إطلاقه فنطلق كما أطلقه الشارع فيقال مثلا: من اعتقد أن الله ليس فوق السماء كافر، أو آكل الربا ملعون، وشارب الخمر ملعون ونحو ذلك مما أطلقه الشارع.
ومن هذا الجنس ما يطلقه العلماء والأئمة من تكفير أصحاب البدع مثل القدرية والجهمية والرافضة ونحوهم فيتعلق الحكم بالعموم أو بالفعل، ولا يتعلق بالشخص المعين، إذ الشخص المعين لا يحكم بكفره إلا بشروط وانتفاء موانع.
الدليل على الفرق بين الحكم المطلق والمعين:
ما روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يوما، فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: "اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنوه، فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله، مع أنه صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة، لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها" ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع من لحوق اللعنة به، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع".
وقد ورد عن إبراهيم النخعي أنه قيل له: ما ترى في لعن الحجاج؟ فقال: "لا تسمع إلى قوله تعالى: {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}.
وسئل الإمام أحمد قيل له: الرجل يذكر عنده الحجاج أو غيره فيلعنه، قال: "لا يعجبني، لو عبر فقال: ألا لعنة الله على الظالمين".
ومثله ورد عن الحسن البصري وابن سيرين كما ذكر الخلال.
فهذه الأدلة والروايات تدل على أن التكفير المطلق لا يستلزم التكفير المعين.
ثالثا: تكفير المعين:
المعين من الناس ممن ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه بالشك والظن، وإنما يكفر بعد أن تقوم عليه الحجة وتنتفي عنه الشبهة، لهذا حدد العلماء لإطلاق الكفر على المعين شروطا إذا وجدت فيه وانتفت الموانع المانعة من إطلاق الكفر فإنه يكفر ويحكم عليه به ويقام عليه به حد الكفر إذا لم يتب ويرجع.
وهذه الشروط والموانع قد استنبطها العلماء من الشرع وكلام السلف رحمهم الله.
أولا: الشروط
قد يقع المسلم في فعل كفري أو يقول قولا كفريا أو يعتقد اعتقادا كفريا إلا أننا لا نحكم بكفره إلا إذا تحققت فيه الشروط التالية:
1 -أن يظهر من قوله أو فعله ما يدل على المعنى الكفري ويلتزمه.
إن الإسلام إذا ثبت بالنسبة لإنسان لا يجوز إخراجه منه بالظن والتهمة أو تحميل كلامه فوق ما يحتمل لأن ذلك كله مما لا يجوز به الحكم بالكفر على الشخص المعين، وهو في ذلك مثل الحدود الشرعية لا تثبت على الإنسان إلا بالاعتراف أو الشهود.
كما أن لازم المذهب ليس بمذهب فإذا قال إنسان قولا وكان يلزم منه الكفر كمن أنكر: أن الله فوق السماء أو نفى الصفات عن الله عز وجل, فإن لازم ذلك تكذيب الله ورسوله، بل لازم ذلك نفي وجوده تبارك وتعالى وهذا كفر بين، ولكن لا يحكم على الشخص بالكفر ما لم يبين له ذلك ويلتزمه، لأن الإنسان قد يقول المقالة وهو ذاهل عن لازمها بل لا يقصده بل ربما يكون يقصد نقيضه كمن أراد أن ينزه الله في زعمه عن المكان فيقول: هو في كل مكان، فإن لازم ذلك أنه لا ينزهه عن مكان طيب أو خبيث، وهذا كفر، لكن من قال هذه المقالة فإنه لا يقصد ذلك. واستدل لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة:104].
فإن المسلمين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم "راعنا" يقصدون بذلك التفت إلينا وارعنا انتباهك، وكان اليهود يستغلون ذلك ويقولونها للنبي صلى الله عليه وسلم وهم يقصدون بذلك سب النبي صلى الله عليه وسلم لأن معناها عندهم من الرعونة وهي الحمق والطيش، فنهى الله المسلمين عن هذه المقالة لما تضمنت من المعنى الفاسد الذي لا يقصدونه، حتى لا يتخذها اليهود وسيلة لسب النبي صلى الله عليه وسلم جهارا".
هذا في حالة أن يكون القول أو الفعل محتملا للكفر وغيره أما إذا كان القول أو الفعل غير محتمل إلا الكفر كمن سب الله ورسوله أو استهزأ بهما أو سجد لصنم، فهذه الأفعال لا تحتمل إلا الكفر فيحكم على المعين به كما قال الله عز وجل: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة65, 66] فجعل الله عز وجل سبب الكفر هو الاستهزاء بالله عز وجل ولم يعتبر العذر وهو أنهم إنما كانوا يخوضون ويلعبون بل بين أنهم كفروا بذلك الفعل وأن العذر في هذا ليس عذرا مقبولا.
2 -قيام الحجة ووضوحها لمن قال أو عمل بالكفر.
الكفر لا يثبت على المعين ما لم تقم عليه الحجة التي إن خالفها كفر، يدل على ذلك قوله عز وجل: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [النساء:115]. وقال عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة:115].
قال قوام السنة الأصبهاني على هذه الآية: "فكل من هداه الله عز وجل ودخل في عقد الإسلام، فإنه لا يخرج إلى الكفر إلا بعد البيان"2، وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15].
فهذه الآيات بعمومها تدل على أنه لا يكفر من المسلمين إلا من بلغته الحجة ووضحت له بحيث خالفها عنادا وتكبرا أو رفضا للحق وردا له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة".
وهذا مثل من أنكر ما ثبت بالإجماع أو التواتر أو أنكر صفة من صفات الله عز وجل، هذا لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ويفهمها ثم يردها عنادا وتكبرا وردا للحق وعدم قبول له.
ثانيا: موانع التكفير
مما يدرأ عن المسلم التكفير إذا التبس فعله أو قوله أو اعتقاده الكفري بمانع من الموانع التالية:
1 -الجهل
جهل المسلم بالحكم الشرعي في الأمر الكفري الذي قارفه مما يدفع عنه الكفر. ويستدلون لذلك بما رواه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث الرجل الذي قال لأبنائه: "إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فو الله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا"، قال: ففعلوا ذلك به، فقال للأرض: "أدي ما أخذت"، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت، فقال: خشيتك يا رب فغفر له بذلك".
فهذا الرجل جهل عظيم قدرة الله عز وجل وفعل ما فعل من خشية الله عز وجل فغفر الله له جهله.
وكذلك حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم ... ".
فحداثة إسلامهم وجهلهم منعت من تكفيرهم ولم تمنع من الحكم على القول بأنه من جنس قول قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها.
وكذلك حديث حذيفة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدرس الإسلام كما يدرس وَشيُ الثوب، حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسري على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها" فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة: فقال: يا صلة تنجيهم من النار، ثلاثا".
فهذا فيه دليل على أن الإنسان يعذر بالجهل.
ولكن العلماء يفرقون هنا في مسألة الجهل بين ما يعذر بجهله الإنسان وما لا يعذر، والحالات التي يعذر الإنسان فيها بالجهل.
فأما ما كان معلوما من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة وفرائض الإسلام وتحريم الزنا والخمر ونحوها فهذا لا يعذر الإنسان بجهلها فمن أنكرها فقد كفر إلا أن يكون بعيدا عن الأمصار يعيش في البوادي مما يدل على أنه لم يبلغه العلم، أو يكون حديث عهد بإسلام لم يعلمه أحد شرائع الإسلام فهذا يعذر بجهله ولا يكفر حتى تبين له الحجة ويعلم الحق.
أما ما خفي من المسائل والأحكام الشرعية فإن الإنسان لو أنكرها جهلا فإنه يعذر بذلك ولا يكفر حتى تقام عليه الحجة مثل رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة، أو حوض النبي صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك مما قد يخفي على الإنسان.
2 -المتأول لشبهة عرضت له:
مما يدرأ التكفير عن المعين أن يكون متأولا فيما وقع فيه من كفر لشبهة عرضت له، فهذا لا يكفر حتى يبين له خطأه حتى ترتفع شبهته في المسألة فهو كالمجتهد المخطئ وذلك مثل أهل البدع من الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم فإن أعيانهم لا يكفرون لوجود الشبهة المانعة لهم من قبول الحق فإن الخوارج استباحوا دماء المسلمين ظنا منهم أنهم كفار لارتكابهم الذنوب، والجهمية والمعتزلة أنكروا صفات الله عز وجل بشبهة عرضت لهم في ذلك وهو ظنهم أن ذلك ينافي تنزيه الله عز وجل. فلهذه الشبهة في التأويل لا يكفر أعيانهم. فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكفر الخوارج بل قال: إخواننا بغوا علينا، وقال لما قيل له إنهم كفار قال: من الكفر فروا، وقد وافقه الصحابة على ذلك فصار إجماعا، وهذا مع ما ورد من الحديث الذي يصفهم بأنهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية.
ومما يستدل لذلك أيضا أن قدامة بن مظعون رضي الله عنه شهد عليه شهود بشرب الخمر، فقال له عمر: إني حادك، فقال: لو شربت كما يقولون، ما كان لكم أن تجلدوني، فقال عمر رضي الله عنه: لم؟ قال قدامة: قال الله عز وجل: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا…} [المائدة:93] الآية، قال عمر رضي الله عنه: أخطأت التأويل إن اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله عليك ".
قال شيخ الإسلام: "إن عمر بن الخطاب اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على استحلالها قتلوا".
فقدامة رضي الله عنه استحل الخمر لشبهة عرضت له فيما فعل، وذلك أنه ظن أن الخمر ليست محرمة على من كان تقيا وهذا فهمه من الآية التي استدل بها، حتى أبان له عمر رضي الله عنه خطأه في الفهم فارتفعت بذلك شبهته.
ومثله في ذلك ما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم من الاقتتال الذي كانوا فيه متأولين لشبهة وقعت لهم.
فعلى هذا إذا وقع الإنسان في أمر كفري، وهو متأول لشبهة عرضت له فلا يكفر حتى يبين له وترتفع شبهته. قال شيخ الإسلام عن علماء الجهمية: "ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية، والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال. وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم، وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم مع قصور عن معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له".
هذا في التأويل لشبهة وقعت للمؤول منعته من قبول الحق ولا يلتحق بذلك من تستر بالتأويل وجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كتأويل الملاحدة ما لا يمكن تأويله من الشرائع والمعاد الأخروي والجنة والنار، فهذا كفر لا شك فيه ومن وقع في ذلك فهو كافر خارج من الإسلام، وإنما الحديث هنا في الذي يقوم بشرائع الإسلام ولم يكن مقصده تكذيب الله ورسوله فيما تأوله مما يخالف الحق.
ولا يعني عدم تكفير من هذا حاله أنه ليس مخطئا ولا يعني أنه غير مذنب، بل هو على خطر عظيم في بدعته، وذنبه في ذلك على قدر بعده عن الحق، وإعراضه عن وسائل معرفة الحق من الكتاب والسنة التي أمر المسلمون بالالتزام بهما والأخذ بمضمونهما والإعراض عما يخالفهما، ولهذا يذم أهل البدع والانحراف من الخوارج والجهمية والمعتزلة والقدرية والأشعرية وغيرهم.
3 –الإكراه.
الإكراه على القول أو الفعل الكفري لا يكون كفرا على الصحيح لقول الله عز وجل: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106].
فمن أكره على قول كفري من سب الله أو رسوله أو دينه أو نحو ذلك أو فعل كفري كالسجود لمخلوق أو نحوه فإنه لا يكفر بذلك.
قال شيخ الإسلام: "وإما إذا أكره الرجل على ذلك -يعني السجود لمخلوق-بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه أو حبسه أو أخذ ماله، الذي يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من الضرر فإنه يجوز عند أكثر العلماء، فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه وهو المشهور عن أحمد وغيره، ولكن عليه مع ذلك أن يكرهه بقلبه، ويحرص على الامتناع منه بحسب الإمكان، ومن علم منه الصدق أعانه الله تعالى. وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك. وذهب طائفة إلى أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال، ويروى ذلك عن ابن عباس، ونحوه قالوا: إنما التقية باللسان، وهي الرواية الأخرى عن أحمد".
فمن هنا يتبين لنا أن تكفير المعين من الأشخاص لا يتم إلا بعد أن تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة وتنتفي الموانع المانعة من تكفيره، فعندها يحكم عليه بالكفر ويعامل بما يستحق ذلك وهذا كله احتياطات شرعية من أن يقصد المعين بهذا الحكم الخطير وهو لا يستحق ذلك أو ذاهل عنه.
التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نور الهدى غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 01:05 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir