أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم الدراسات العليا::. > ملتقى طلاب الدراسات العليا > قضايا ومسائل
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-Apr-2011, 11:40 PM   #1
عضو مشارك
افتراضي ياطلبة العلم ممكن مساعدة في تزويدي باسماء مراجع في نشأة الخلاف في الاسماء والصفات

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ممكن تزويدي بمراجع تكلمت عن
نشأة الخلاف في توحيد الأسماء والصفات وموقف السلف من هذا الخلاف

وجزاكم الله خيرا

ارجو الرد في أسرع وقت ممكن

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى

تدمرية غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-Apr-2011, 10:16 AM   #2
عضو متميز
افتراضي رد: ياطلبة العلم ممكن مساعدة في تزويدي باسماء مراجع في نشأة الخلاف في الاسماء والصفا

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
لتنظر ابتداء –وفقنا الله وإياك- في كتب السنة والتوحيد فقد تضمنت مواقف السلف وردودهم على المخالفين في الأسماء والصفات كالرد على الجهمية للإمام أحمد وخلق أفعال العباد للإمام البخاري والسنة للدارمي وابن بطة والتوحيد لابن خزيمة ونحوها.

-وانظر الكتب والرسائل التي أفردت لجهود السلف في تقرير العقيدة والدفاع عنها.


- ثم هذه بعض الرسائل التي أحسب أنها تناولت موضوعك أو بعض جوانبه:
* جذور مقالة التعطيل وأثرها على الفرق المنحرفة في باب الأسماء والصفات وموقف أهل السنة من ذلك ، رسالة ماجستير لمحمد أحمد أبو الفال بالجامعة الإسلامية.
*الصفات الإلهية عند الفرق الإسلامية عبر العصور .. سعد بن خلوفة الشهري
*صفة الكلام بين السلف والمتكلمين ، سعود عبد الله الغنيم، رسالة ماجستير بأم القرى.
*أسماء الله الحسنى لعبد الله بن صالح الغصن، جامعة الإمام.
*الكمال الإلهي بين أهل السنة ومخالفيهم لعبد الله بن عيسى الأحمدي، رسالة دكتوراه بأم القرى.
*ورسالة الدكتوراه لأخينا د. عبدالله بن عايض القحطاني صفات الله تعالى الفعلية عند السلف وعند مخالفيهم –دراسة عقدية-
..

فهدة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-Apr-2011, 10:56 AM   #3
عضو مشارك
افتراضي رد: ياطلبة العلم ممكن مساعدة في تزويدي باسماء مراجع في نشأة الخلاف في الاسماء والصفا

جزاك ربي الجنة ورزقك من حيث لا تحتسبين وجمعنا الله بك في الفردوس الأعلى ورزقك الإخلاص في القول والعمل

تدمرية غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-Apr-2011, 01:32 AM   #4
عضو مشارك
افتراضي رد: ياطلبة العلم ممكن مساعدة في تزويدي باسماء مراجع في نشأة الخلاف في الاسماء والصفا

المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة




عنوان البحث

نشأة الخوض في مسألة الأسماء والصفات وموقف السلف من ذلك









بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، وبعد
فإن الإيمان بأسماء الله وصفاته أحد أركان الإيمان بالله تعالى ومنزلته في الدين عالية ولا يمكن لأحد أن يعبد الله على الوجه الأكمل حتى يكون على علم بأسماء الله وصفاته ومن أجل ذلك آثرت البحث في موضوع الأسماء والصفات لكلام الناس فيه بالحق تارة وبالباطل تارة أخرى..
فإن الإيمان بالله جل وعلا وبأسمائه وصفاته أصل الدين ، وهو أساس كل خير ، ومصدر كل هداية ، وسبب كل فلاح ، وهو أفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول .
وقد قسمت هذا البحث إلى فصول ومباحث ومطالب
التمهيد ويحتوي على تعريفات ومباحث
المبحث الأول : قواعد عامة في الصفات
المبحث الثاني : قواعد عامة في الأسماء
المبحث الثالث : أنواع الصفات
الفصل الأول : لمحة تاريخية عن نشأة الخوض في الأسماء والصفات ويحتوي على خمسة مراحل
الفصل الثاني : اتجاه أهل القبلة حيال نصوص الصفات
الفصل الثالث : موقف الطوائف من توحيد الأسماء والصفات وفيه عدة مباحث
المبحث الأول : الفلاسفة وفيه مطلبان
المطلب الأول : التعريف بهم
المطلب الثاني : قولهم في توحيد الأسماء والصفات
المبحث الثاني : الجهمية
المبحث الثالث : المعتزلة ومن وافقهم
المبحث الرابع : قدماء الرافضة
المبحث الخامس : متكلمة الصفاتية (الكلابية ـ الأشاعرة ـ الماتريدية )
الفصل الرابع : أصول ضلال من خاض في أسماء الله وصفاته
الفصل الخامس : موقف السلف من مسألة الخوض في الأسماء
الخاتمة وتحتوي على أهم نتائج البحث
الفهارس
هذا واسأل الله الإعانة والسداد راجياً منه أن يجعل عملي هذا خالص لوجهه الكريم .

التمهيد
( المنشأ ) موضع النشأة يقال منشؤه مدينة القاهرة والأصل أو العلة
يقال ما منشأ هذا الاضطراب ما أصله أو سببه.
الخَوْضُ :اللَّبْسُ في الأَمر والخَوْضُ من الكلام ما فيه الكذب والباطل وقد خاضَ فيه وفي التنزيل العزيز (وإِذا رأَيْتَ الذين يَخُوضون في آياتنا(سورة الأنعام آية 68وخاضَ القومُ في الحديث وتَخاوَضُوا أَي تفاوضوا فيه
ِأولاً: التعريف بالسلف:
أ- معنى السلف لغة:
(السلف: جمع سالف على وزن حارس وحرس، وخادم وخدم، والسالف المتقدم، والسلف... الجماعة المتقدمون).
قال ابن فارس: (السين، واللام، والفاء) أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون).
ب- المقصود بالسلف الصالح:
(تعددت أقوال العلماء في تحديد ذلك من حيث المدى الزمني:
ا- فمن العلماء من قصر ذلك على، الصحابة -رضوان الله عليهم- فقط.
2- ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون.
3- ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون وتابعو التابعين. والقول الصحيح المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة هو أن المقصود بالسلف الصالح هم القرون الثلاثة المفضلة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم
الاسم : ((هو ما دل على معنى في نفسه))( ) ، و ((أسماء الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها))( ) ، ((وقيل : الاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل))( ).
الصفة : ((هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات000وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يُعرف بها))( ) ، ((وهي ما وقع الوصف مشتقاً منها ، وهو دالٌ عليها ، وذلك مثل العلم والقدرة ونحوه))( ).
وقـال ابن فارس : ((الصفة : الأمارة اللازمة للشيء))( ) ، وقال : ((النعت : وصفك الشيء بما فيه من حسن))( ).
الفرق بين الاسم والصفة :
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية عن الفرق بين الاسم والصفة ؟ فأجابت بما يلي :
((أسمـاء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به ؛ مثل : القادر ، العليم ، الحكيم ، السميع ، البصير ؛ فإن هذه الأسماء دلَّت على ذات الله ، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر ، أما الصفات ؛ فهي نعوت الكمـال القائمة بالذات ؛ كالعلم والحكمة والسمع والبصر ؛ فالاسم دل على أمرين ، والصفة دلت على أمر واحد ، ويقال : الاسم متضمن للصفة ، والصفة مستلزمة للاسم…))( ).



المبحث الأول:قواعد عامة في الصفات
القاعدة الأولى :
((إثباتُ ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل))( ).
لأن الله أعلم بنفسه من غيره ، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بربه.
القاعدة الثانية :
((نفـيُ ما نفاه الله عن نفسه في كتابه ، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ، مع اعتقاد ثبوت كمال ضده لله تعالى))( ).
لأن الله أعلم بنفسه من خلقه ، ورسوله أعلم الناس بربه ؛ فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته ، ونفي الظلم يتضمن كمال عدله ، ونفي النوم يتضمن كمال قيُّوميَّته.
القاعدة الثالثة :
((صفات الله عَزَّ وجَلَّ توقيفية ؛ فلا يُثبت منها إلا ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته
له رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يُنفى عن الله عَزَّ وجَلَّ إلا ما نفاه عن نفسه ، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم))( ).
لأنــه لا أحد أعلم بالله من نفسه تعالى ، ولا مخلوقٌ أعلم بخالقه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القاعدة الرابعة :
((التوقف في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها ، أما معناها ؛ فَيُسْتفصل عنه ، فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه ؛ رُدَّ ، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله ؛ قُبِلَ ، مع بيان ما يدلُّ على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية، والدعوة إلى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث))( ).
مثاله : لفظة (الجهة) : نتوقف في إثباتها ونفيها ، ونسأل قائلها : ماذا تعني بالجهة؟ فإن قال : أعني أنه في مكان يحويه. قلنا : هذا معنى باطل يُنَزَّه الله عنه ، ورددناه . وإن قال : أعني جهة العلو المطلق ؛ قُلْنا : هذا حق لا يمتنع على الله.وقبلنا منه المعنى ، وقلنا له : لكن الأولى أن تقول : هو في السماء ، أو في العلو ؛ كما وردت به الأدلة الصحيحة ، وأما لفظة (جهة) ؛ فهي مجملة حادثة ، الأولى تركها.
القاعدة الخامسة :
((كل صفة ثبتت بالنقل الصحيح ؛ وافقت العقل الصريح ، ولابد))( ).
القاعدة السادسة :
((قطع الطمع عن إدراك حقيقة الكيفية))( )؛ لقوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ
بِهِ عِلْمًا. سورة طه آية 110
القاعدة السابعة :
((صفات الله عَزَّ وجَلَّ تُثبت على وجه التفصيل ، وتنفى على وجه الإجمال))( ).
فالإثبات المفصل ؛ كإثبات السمع والبصر وسائر الصفات ، والنفي المجمل كنفي المثلية في قوله تعالى : ليسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ سورة الشورى آية 11
القاعدة الثامنة :
((كل اسم ثبت لله عَزَّ وجَلَّ ؛ فهو متضمن لصفة ، ولا عكس))( ).
مثاله : اسم الرحمن متضمن صفة الرحمة ، والكريم يتضمن صفة الكرم، واللطيف يتضمن صفة اللطف … وهكذا ، لكن صفاته : الإرادة ، والإتيان ، والاستواء، لا نشتق منها أسماء، فنقول : المريد، والآتي، والمستوي 00 وهكذا


القاعدة التاسعة :
((صفات الله تعالى كلها صفات كمال ، لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه))( ).
القاعدة العاشرة :
((صفات الله عَزَّ وجَلَّ ذاتِيَّة وفعليَّة ، والصفات الفعليَّة متعلقة بأفعاله ، وأفعاله لا منتهى لها))( ) ،  وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ .
القاعدة الحادية عشرة :
((دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة : إما التصريح بها ، أو تضمن الاسم لها ، أو التصريح بفعلٍ أو وصفٍ دالٍّ عليها))( ).
مثـال الأول : الرحـمة ، والعزة ، والقوة ، والوجه ، واليدين ، والأصابع … ونحو ذلك.
مثال الثاني : البصـير متضمن صفة البصر ، والسميع متضمن صفة السمع .. ونحو ذلك.
مثال الثالث :  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى سورة طه آية 5 دالٌّ علـى الاستواء ،  إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ سورة السجدة آية 22 دالٌّ على الانتقام … ونحو ذلك.
القاعدة الثانية عشرة :
((صفات الله عَزَّ وجَلَّ يستعاذ بها ويُحلف بها))( ).
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : ((أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتـك..)). ، ولذلك بوب البخاري في كتاب الأيمان والنذور : ((باب : الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته)).


القاعدة الثالثة عشرة :
((الكلام في الصفات كالكلام في الذات))( ).
فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات ؛ فهي متصفة بصفات حقيقية لا تشبه الصفات ، وكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية ، كذلك إثبات الصفات.
القاعدة الرابعة عشرة :
((القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر))( ).
فمن أقر بصفات الله ؛ كالسمع ، والبصر ، والإرادة ، يلزمه أن يقر بمحبة الله ، ورضاه ، وغضبه ، وكراهيته.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ((ومن فرق بين صفة وصفة ، مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز ؛ كان متناقضاً في قولـه ، متهافتاً في مذهـبه ، مشابهاً لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض)) .
القاعدة الخامسة عشرة :
((ما أضيف إلى الله مما هو غير بائنٍ عنه ؛ فهو صفة له غير مخلوقة ، وكلُّ شيء أضيف إلى الله بائن عنه ؛ فهو مخـلوق ؛ فليس كل ما أضيف إلى الله يستلزم أن يكون صفةً له))( ).
مثال الأول : سمعُ الله ، وبصرُ الله ، ورضاه ، وسخطُه000
ومثال الثاني : بيت الله ، وناقة الله00
القاعدة السادسة عشرة :
((صفات الله عَزَّ وجَلَّ وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان حديثاً واحداً ، وإن كان آحاداً))( ).

القاعدة السابعة عشرة :
((معاني صفات الله عَزَّ وجَلَّ الثابتة بالكتاب أو السنة معلومة ، وتُفسر على الحقيقة ، لا مجاز ولا استعارة فيها البتة ، أمَّا الكيفية ؛ فمجهولة))( ).
القاعدة الثامنة عشرة :
(( ما جاء في الكتاب أو السنة ، وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيـمان به ، وإن لم يفهم معناه))( ).
القاعدة التاسعة عشرة :
((باب الأخبار أوسع من باب الصفات ، وما يطلق عليه من الأخبار ؛ لا يجب أن يكون توقيفياً ؛ كالقديم ، والشيء ، والموجود...))( ).
القاعدة العشرون :
((صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا يقاس عليها))( ).
فلا يقـاس السخاءُ على الجود ، ولا الجـَلَدُ على القوة ، ولا الاستطاعـةُ
على القدرة ، ولا الرقة على الرحمة والرأفة ، ولا المعرفة على العلم... وهكذا ؛ لأن صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا يتجاوز فيها التوقيف ؛ كما مر في القاعدة الثالثة.
القاعدة الحادية والعشرون :
صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا حصر لها ؛ لأن كل اسم يتضمن صفة - كما مرَّ في القاعدة الثامنة - ، وأسماء الله لا حصر لها ، فمنها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده.




المبحث الثاني:
قواعد في أسماء الله
قوله تعالى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 1185].
قال الإمام البغوي: "قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تسميته بما لم يتسم به ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم".
وقال ابن حجر: " قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة".
قال ابن حزم: "منع تعالى أن يسمى إلا بأسمائه الحسنى وأخبر أن من سماه بغيرها فقد ألحد".
القاعدة الأولى :
أسماء الله كلها حسنى أي بالغة في الحسن غايته . قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } (الأعراف : 180) وذلك لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول وهو الله عز وجل ولأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالا ولا تقديرًا . مثال ذلك : (الحي) اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال . الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها .
القاعدة الثانية:
أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهى بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله عز وجل، وبالاعتبار الثاني متباينة، لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص.ف "الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم" كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله سبحانه و تعالى، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.

القاعدة الثالثة:
أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعدٍّ تضمنت ثلاثة أمور :
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.

القاعدة الرابعة:
دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام.
مثال ذلك: "الخالق" يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.
ولهذا لما ذكر الله خلق السماوات والأرض قال: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}.سورة الطلاق آية 21
القاعدة الخامسة :
الأسماء والصفات توقيفية
أسماء الله وصفاته توقيفية لا مجال للعقل فيها وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات فوجب الوقوف على النص . قال تعالى : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } (الإسراء : 36) .


القاعدة السادسة:
الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها
وهو أنواع:
الأول: أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم. وإنما كان ذلك إلحادا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
. الثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعلها دالة عليه ميل بها عما يجب فيها.
الثالث: أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة)، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سموه بها نفسها باطلة، ينزه الله تعالى عنها.
الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم، وذلك لأن أسماء الله تعالى مختصة به، لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}سورة الأعراف آية 180، وقوله: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}سورة طه آية 8 وقوله: {لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحقة، وبأنه يسبح له ما في السماوات والأرض، فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله عز وجل ميل بها عما يجب فيها.
القاعدة السابعه:
أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك"

*الإيمان بأن الله هو الذي يسمي نفسه، ولا يسميه أحد من خلقه فالله عز وجل هو الذي تكلم بهذه الأسماء، وأسماؤه منه، وليست محدثة مخلوقة كما يزعم الجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
فمن معتقد أهل السنة والجماعة في هذه المسألة أنهم يؤمنون بأن الله الذي سمى نفسه بأسمائه الحسنى وتكلم بها حقيقة، وهي غير مخلوقة وليست من وضع البشر، يستدلون لقولهم بما يلي:
أ- حديث: "ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك ناصيتي ييدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك..." الحديث.
والشاهد من الحديث قوله: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك". فقد دل الحديث على أن أسماء الله غير مخلوقة بل هو الذي تكلم بها وسمى بها نفسه، ولهذا لم يقل بكل اسم خلقته لنفسك ولا قال سماك به خلقك؟ فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم وأن الله سبحانه تكلم بتلك الأسماء وسمى بها نفسه.
*أن أسماء الله من كلامه، وكلامه تعالى غير مخلوق، فأسماؤه غير مخلوقة، فهو المسمي لنفسه بتلك الأسماء.
* أن الله عز وجل يسأل بهذه الأسماء، ولو كانت مخلوقة لم تجز أن يسأل بها. فإن الله لا يقسم عليه بشيء من خلقه.
*أن اليمين بهذه الأسماء منعقدة، فمن حلف باسم من أسماء الله فهو حالف بالله، ولو كانت الأسماء مخلوقة لما جاز الحلف بها، لأن الحلف بغير الله شرك بالله، والله لا يقسم عليه بشيء من خلقه.



المبحث الثالث:ـ أنواع الصفات
يمكن تقسيم صفات الله عَزَّ وجَلَّ إلى ثلاثة أقسام( ) :
أولاً : من حيث إثباتها ونفيها.
ثانياً : من حيث تعلقها بذات الله وأفعاله.
ثالثاً : من حيث ثبوتها وأدلتها.
وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة ينقسم إلى نوعين :
أولاً : من حيث إثباتها ونفيها :
أ - صفات ثبوتيه :
وهي ما أثبته الله سبحانه وتعالى لنفسه ، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ كالاستواء ، والنُّزُول ، والوجه ، واليد...ونحو ذلك ، وكلها صفات مدح وكمال ، وهي أغلب الصفات المنصوص عليها في الكتاب والسنة ، ويجب إثباتها.
ب- صفات سلبية :
وهي ما نفاه الله عن نفسه ، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكلـها صفات نقص ؛ كالموت ، والسِّنة ، والنوم ، والظلم...وغالباً تأتي في الكتاب أو السنة مسبوقة بأداة نفي ؛ مثل (لا) و (ما) و (ليس) ، وهذه تُنفى عن الله عَزَّ وجَلَّ ، ويُثبت ضدها من الكمال.
ثانياً : من حيث تعلقها بذات الله وأفعاله :
أ - صفات ذاتِيَّة :
وهـي التي لم يزل ولا يزال الله متصفاً بها ؛ كالعلم ، والقدرة ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والوجه ، واليدين...ونحو ذلك.
ب- صفات فعليَّة :
وهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله وقدرته ، إن شاء فعلها ، وإن شاء لم يفعلها ؛ كالمجيء ، والنُّزُول ، والغضب ، والفرح ، والضحك ... ونحو ذلك ، وتسمى (الصفات الاختيارية).
وأفعاله سبحانه وتعالى نوعان :
1- لازمة : كالاستواء ، والنُّزُول ، والإتيان ... ونحو ذلك.
2- متعدية : كالخلق ، والإعطاء ... ونحو ذلك.
وأفعاله سبحانه وتعالى لا منتهى لها ، وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءسورة ابراهيم آية 27 ، وبالتالي صفات الله الفعليَّة لا حصر لها.
والصفات الفعليَّة من حيث قيامها بالذات تسمى صفات ذات ، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمى صفات أفعال ، ومن أمثلة ذلك صفة الكلام ؛ فكلام الله عَزَّ وجَلَّ باعتبار أصله ونوعه صفة ذات ، وباعتبار آحاد الكلام وأفراده صفة فعل.
ثالثاً : من حيث ثبوتها وأدلتها :
أ - صفات خبرية :
وهي الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلا السمع والخبر عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتسمى (صفات سمعية أو نقلية) ، وقد تكون ذاتِيَّة ؛ كالوجه ، واليدين ، وقد تكون فعليَّة ؛ كالفرح ، والضحك.
ب - صفات سمعية عقلية :
وهي الصفات التي يشترك في إثباتها الدليل السمعي (النقلي) والدليل العقلي ، وقد تكون ذاتِيَّة ؛ كالحياة والعلم ، والقدرة ، وقد تكون فعليَّة ؛ كالخلق ، والإعطاء



الفصل الأول : لمحة تاريخية عن نشأة الكلام في الأسماء والصفات وسوف اقسم هذا المبحث إلى مراحل
المرحلة الأولى : العصر النبوي وقرن الصحابة رضوان الله عليهم
قال الشيخ تقي الدين أحمد ابن علي المقريزي رحمه الله : " ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ، ووقف على الأثار السلفية ، علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم على اختلاف طبقاتهم ، وكثرة عددهم ، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات . نعم ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل ، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة ، وساقوا الكلام سوقاً واحداً . وهكذا أثبتوا رضي الله عنهم ما أطلق الله سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين فأثبتوا رضي الله عنهم بلا تشبيه ونزهوا من غير تعطيل ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا ، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت ، ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى ، وعلى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم سوى كتاب الله ولا عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة ..."
ومن هذا العرض يتبين أن الصحابة كفوا واعرضوا عن الخوض في صفات الله عز وجل وأنهم لم يفرقوا بين صفات الله الذاتية والفعلية بل قبلوها جميعا ولم تظهر فيهم رضوان الله عليهم المناهج الفلسفية مع أنه في ذلك العصر كانت قد ظهرت بدعة الخوارج ، والشيعة ، والقدرية ، والمرجئة ، فإن عقيدة الإيمان بالله وأسمائه وصفاته كانت مصونة .
كذلك بدعة تأويل الصفات لم تحدث في عهد الصحابة فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم يؤولوا نصوص الصفات الواردة في الكتاب والسنة كما فعل أهل الكلام وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه طالع التفاسير المنقولة عن الصحابة وما ورد من الحديث في أكثر من مئة تفسير ولم يجد أحد من الصحابة أنه تأول شيء من آيات الصفات وأحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف ، بل ثبت عنهم ما يخالف كلام المتأولين مالا يحصيه إلا الله .
يقول ابن القيم " وقد تنازع الصحابة رضي الله عنهم في كثير من مسائل الأحكام ، وهم سادات المؤمنين وأكمل الناس إيماناً ولكن بحمد الله لم ينازعوا في مسألة واحده من مسائل الأسماء والصفات والأفعال "
مع أن في هذا العصر أي القرن الأول الهجري لم يكن هناك خوض في صفات الله ظاهر إلا أنه وقع بعض المنازعات في صفات الله ولكنها كانت فردية ولم تكن منهجاً عند صاحبها يتبناه ويدعوا الناس إليه ومن ذلك سؤال نجدة الخارجي لابن عباس رضي الله عنه حين سأله عن معرفته بربه .
"فقد أخرج الهروي : عن عكرمة أن نجده قال لابن عباس : كيف معرفتك بربك لأن من قبلنا اختلفوا علينا ؟ فقال : من ينصب دينه للقياس لا يزال الدهر في إلتباس ، مائلاً عن المنهاج ، طاعناً في الإعوجاج ، أعرفه بما عرف به نفسه من غير رؤية ، وأصفه بما وصف به نفسه "
ويقال أن غيلان الدمشقي المقتول سنة 105 تقريباً نفى بعض الصفات كالاستواء
ووقع خلاف في أول من أنكر استواء الله على عرشه وأوله بالاستيلاء أهو الجعد بن درهم ، أو الجهم بن صفوان ، أو غيلان الدمشقي والراجح أنه الجعد ثم أخذها الجهم .
المرحلة الثانية : عصر التابعين وتابعيهم إلى زمن المحنة بالقول بخلق القرآن
ظهرت مقالة التعطيل التي هي مقالة "الجهمية" في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: (هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا. وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية لما ظهر "الجعد بن درهم" وصاحبه "الجهم بن صفوان" ومن تبعهما من المعتزلة وغيرهم على انكار الصفات) .
وقد جاءت هذه المقالة من حيث الترتيب بعد مقالات الخوارج، والشيعة والقدرية والمعتزلة والمرجئة فقد كانت تلك المقالات أسبق في الظهور منها.
لكن مقالة التعطيل تعد أغلظ تلك البدع، والسبب في ذلك

أولاً: أن أصحاب هذه المقالة كانوا أول من عارض الوحي بالرأي ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي رضي الله عنه، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، ولا يدَّعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص.
قال ابن القيم رحمه الله: (مضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور [أي نور الوحي]، لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء، وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدَّع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم.
فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير وكانوا لا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.
فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي.)
ثانياً: أن بدعة هؤلاء كانت في أعظم مسائل الإيمان ألا وهي الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، بل أعظم مسائل الدين وهذا ما لم يسبقهم إليه أحد من أهل المقالات إلا القدرية روى عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي المعتمر سليمان بن طرخان التيمي قال: (ليس قوم أشد نقضاً للإسلام من الجهمية والقدرية، وأما الجهمية فقد بارزوا الله تعالى؛ وأما القدرية فقد قالوا في الله عز وجل)
ودخل رأس من رؤوس الزنادقة يقال له "شمعلة" على المهدي فقال: دلني على أصحابك. فقال: أصحابي أكثر من ذلك. فقال: دلني عليهم. فقال: صنفان ممن ينتحل القبلة: الجهمية والقدرية.
الجهمي إذا غلا قال ليس ثم شيء وأشار إلى السماء. والقدري إذا غلا قال: هما اثنان، خالق خير وخالق شر فضرب عنقه وصلبه.
وقال عبد الله بن المبارك: (ليس تعبد الجهمية شيئاً) وقد مضى عصر الصحابة وعقيدة الإيمان بأسماء الله وصفاته محفوظة مصونة. إلى أن ابتدع الجعد مقالته في أواخر عصر التابعين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام -أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم)






"مرحلة الجعد بن درهم"
فالجعد بن درهم هو أول من عرف عنه أنه أظهر في الإسلام مقالة التعطيل.
قال الهروي: (وأما فتنة إنكار الكلام لله عز وجل فأول من زرعها جعد بن درهم، فلما ظهر جعد قال الزهري -وهو أستاذ أئمة الإسلام وقائدهم-: (ليس الجعد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم).
وقال ابن القيم: (فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولاً مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة.
فلما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري وكان أميراً على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً ولم يتخذ إبراهيم خليلاً،تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر فكان ضَحِيَّةً، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليماً وتجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً)






"مرحلة الجهم بن صفوان"
ثم ظهر بهذا المذهب الجهم بن صفوان الذي أخذ عن الجعد بن درهم مقالة التعطيل عندما التقى به بالكوفة والجهم هو الذي نشر ذلك المذهب وتكلم عليه فبسطه وطراه ودعا إليه، وامتاز عن شيخه الجعد بمزية المبالغة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه، نظراً لما كان عليه من سلاطة في اللسان، وكثرة الجدل والمراء.
فهو صاحب ذلك المذهب الخبيث الذي اشتهر بنسبته إليه والذي صار به مذهباً، فلم يزل هو يدعو إليه الرجال، وامرأته "زهرة" تدعو إليه النساء، حتى استهويا به خلقاً من خلق الله كثيراً.
وكانت فتنته بالمشرق، فهناك بسطت ومهدت ثم سارت في البلاد
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأي جهم. ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق أكثر
كلاماً في رد مذهب جهم من أهل الحجاز، مثل إبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، و مثل عبد الله بن المبارك، وأمثالهم وقد تكلم في ذمهم ابن الماجشون، وغيرهما وكذلك الأوزاعي، وحماد بن زيد وغيرهم.)
وقد ظهر الجهم في آخر دولة بني أمية. وقد قتل في بعض الحروب سنة (128هـ).





المرحلة الثالثة: عصر المحنة بالقول بخلق القرآن
وبعد مقتل الجهم بن صفوان على يد سلم بن أحوز، قام لهذه المقالة أحمد بن أبي داؤد (240هـ) وبشر المريسي (218هـ) فملآ الدنيا محنة والقلوب فتنة دهراً طويلاً.
(فما إن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون (198هـ - 218هـ)، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامراً بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات فأمر بتعريب كتب اليونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل. فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه، فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها)
قال ابن تيمية: (الجهمية لم يكونوا ظاهرين إلا بالمشرق، لكن قوى أمرهم
لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق وتلقى عن هؤلاء ما تلقاه. ثم لما تولى الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء، ودعا إلى قولهم في آخر عمره، وكتب وهو بالثغر بطرسوس إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتاباً يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا القرآن مخلوق، فلم يجبه أحد؛ ثم كتب كتاباً ثانياً يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وإرساله إليه، فأجاب أكثرهم، ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب منهم خمسة بعد القيد، وبقي اثنان لم يجيبا: الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا إليه؛ وكان هذا سنة ثماني عشر ومائتين.)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن تلك الحقبة الزمنية وما قبلها وما بعدها: (وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوى كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي (158-169هـ) والرشيد (170-194هـ) ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين. كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر، وأهل البدع أذل وأقل. فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصى عدده إلا الله، والرشيد كان كثير الغزو والحج.
وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "الفتنة هاهنا"؛ ظهر حينئذ كثير من البدع، وعربت أيضاً إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم-من المجوس الفرس، والصابئين الروم، والمشركين الهنود، وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيماناً وعدلاً وجوداً، فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك.
وفي دولة "أبي العباس المأمون" ظهر "الخرمية" ونحوهم من المنافقين، وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة.
فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين، وقوى ما قوى من حال المشركين وأهل الكتاب، كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة. وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلاً وعدلاً، وإنما هو جهل وظلم، إذ التسوية بين المؤمن والمنافق، والمسلم والكافر أعظم الظلم، وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل، فتولد من ذلك محنة الجهمية، حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى، مما يطول وصفه)
وبزغ فجر الكلام، وعربت حكمة الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق
توحيد المؤمنين، وقد كانت الأمة منه في عافية، وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة، وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن، ودعاهم إليه فامتحن العلماء فلا حول ولا قوة إلا بالله. إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف، وتُقَدَّم عقول الفلاسفة، ويُعْزَلَ منقول أتباع الرسل، ويُمارى في القرآن، ويتبرم بالسنن والآثار، وتقع في الحيرة. فالفرار قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومجاراة العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم)
فالمأمون أول من أعلن بدعة القول بخلق القرآن من السلاطين ودعا إليها بقوة السلطان، (وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشرة ومائتين فأنكر الناس ذلك واضطربوا ولم ينل مقصوده ففتر إلى وقت) (ولكنه لم يرجع عن قوله وصمم على امتحان العلماء في سنة ثمان عشرة وشدد عليهم فأخذه الله.)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولابد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها)
قال السيوطي: (أول من أدخل المنطق والفلسفة وسائر علوم اليونان في ملة الإسلام وأحضرها من جزيرة قبرص المأمون.)
وفي هذه المرحلة قويت شوكت التعطيل واتسعت دائرته ونشط دعاته وكثرت
طوائفه. فبعد أن كان خصوم أهل السنة هم الجهمية فقط، ظهر المعتزلة الذين حملوا راية التعطيل ووجهوا دفته، ودخلوا فيه بقوة هيأها لهم المأمون ومن بعده المعتصم ثم الواثق. وشايعهم على ذلك العديد من الفرق الضالة، فجمعت المعتزلة من ذلك الوقت بين بليتين "بلية نفي الصفات" و"بلية نفي القدر". وفي هذه المرحلة ظهر القرامطة، وبدؤوا يظهرون قولهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكانت "محنة الإمام أحمد" سنة عشرين ومائتين، وفيها شرعت القرامطة الباطنية يظهرون قولهم، فإن كتب الفلاسفة قد عربت وعرف الناس أقوالهم فلما رأت الفلاسفة أن القول المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل؛ طمعوا في تغيير الملة. فمنهم من أظهر إنكار الصانع، وأظهر الكفر الصريح، وقاتلوا المسلمين، وأخذوا الحجر الأسود، كما فعلته قرامطة البحرين.)
المرحلة الرابعة : عصر نشر السنة والرد على المخالفين :
انقضى عصر المحنة بعد سنتين من خلافة المتوكل في " سنة 234 أظهر المتوكل السنة وزجر عن القول بخلق القرآن وكتب بذلك إلى الأمصار واستقدم المحدثين إلى سامراء ، واجزل صلاتهم ، ورووا أحاديث الرؤية والصفات "
وألفت في هذه المرحلة المصنفات الكثيرة الحاوية للسنن والآثار ولا سيما في باب العقيدة والرد على المخالفين في باب الأسماء والصفات والقدر والرد على الجهمية .


المرحلة الخامسة : ظهور فرق الصفاتية الكلامية الذين اثبتوا الصفات خلافاً للجهمية ولكنهم سلكوا المسالك الكلامية :
وفي هذه المرحلة أيضاً ظهرت "الصفاتية" وهم وإن كانوا من أقرب المتكلمين إلى السنة إلا أنهم خالفوا قول أهل السنة بنفيهم للصفات الاختيارية، وعلى رأس أولئك عبد الله بن سعيد بن كلاب (234هـ) والحارث بن أسد المحاسبي (ت234) وأبو العباس القلانسي وغيرهم.
ومنذ ذلك الحين اتسعت دائرة الخوض في الصفات وعظم خطره وكثر خصوم السنة.

مرحلة الصفاتية:
1- "الكلابية"
وكان ممن انتدب للرد على الجهمية و المعتزلة أبو محمد عبد الله ابن سعيد بن كلاب القطان. فقد جاء عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري المتوفي سنة (243هـ) بعد هؤلاء [أي الجهمية و المعتزلة] في زمن محنة القول بخلق القرآن التي سبق ذكرها وكان قد انتشر بين الأمة النزاع في هذه المسائل، فقام أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب القطان البصري، وكان رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه، وصنف في الرد على الجهمية و المعتزلة مصنفات، وبين تناقضهم فيها وكشف كثيراً من عوراتهم وكان له فضل وعلم ودين.
لكن ابن كلاب لما رد على الجهمية لم يهتد لفساد أصل الكلام المحدث الذي ابتدعوه في دين الإسلام، بل وافقهم عليه وسلم لهم ذلك الأصل الذي هو ينبوع البدع "وهي مسألة حلول الحوادث".
فاحتاج بذلك إلى أن يقول: إن الرب لا تقوم به الأمور الاختيارية ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا نادى موسى حين جاء الطور، بل ولا يقوم به نداء حقيقي، ولا يكون إيمان العباد وعملهم الصالح هو السبب في رضاه ومحبته، ولا كفرهم هو السبب في سخطه وغضبه، فلا يكون بعد أعمالهم لا حب ولا رضا ولا سخط ولا فرح ولا غير ذلك مما أخبرت به نصوص الكتاب والسنة.
فابتدع ابن كلاب مسلكاً خاصاً به، حاول أن يلفق فيه بين النصوص الشرعية والنظريات الكلامية، فأنشأ في المسألة ما يعرف "بمذهب الصفاتية" فأصبح قولاً ثالثاً في المسألة بينما كان الأمر في السابق يتنازعه فريقان "المثبتة" وهم أهل السنة والجماعة. و "النفاة" وهم الجهمية و المعتزلة والنجارية والضرارية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:
فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.
فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما.
وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله.
فهذا النهج الذي أحدثه ابن كلاب هو ما صار يعرف فيما بعد بمنهج "متكلمة الصفاتية" لأن ابن كلاب كان في طريقته يميل إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن كان في طريقته نوع من البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته.
وقد كانت له جهود في الرد على الجهمية ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولاً هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك.
فأصبح بعد ذلك قدوة وإماماً لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول.)
فابن كلاب أحدث مذهباً جديداً، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة و الجهمية. فابن كلاب أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة "الصفاتية" التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية
وقد سار على هذا النهج القلانسي والأشعري والمحاسبي وغيرهم، وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه هو وأئمة أصحابه كالحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي)
فابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكثر مخالفة للجهمية، وأقرب للسلف من الأشعري
وقد سار على هذا النهج القلانسي، والأشعري، والمحاسبي، وغيرهم وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.
ولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئا فشيئا عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فاكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة.
فابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه ولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة ما لا يوجد في كلام أبي المعالي الجويني وذويه، ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقه. ويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة. وإذا كان الغلط شبرا صار في الأتباع ذراعا ثم باعا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة
وقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخا والأسبق ظهورا في الأشعرية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنا وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت406هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول "
فالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة والماتريدية، فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفي ابن كلاب سنة (243هـ)، وفي أول القرن الرابع الهجري نشأت بقية فرق أهل الكلام وهم الأشاعرة المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة (324هـ) والماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي المتوفى سنة (333هـ) وهي الفرق القائمة حتى زماننا هذا.









الفصل الثاني :ـ اتجاهات أهل القبلة حيال نصوص الصفات :ـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : ( وجماع الأمر : أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام ، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة : قسمان يقولان : تجري على ظواهرها ، وقسمان يقولان : هي على خلاف ظاهرها ، وقسمان : يسكتون . أما الأولون فقسمان :
أحدهما : من يجريها على ظاهرها ، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين . فهؤلاء "المشبهة " ومذهبهم باطل ، أنكره السلف ، وإليهم يتوجه الرد بالحق .
الثاني : من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله ، كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير ، والرب والإله ، والموجود والذات ونحو ذلك ، على ظاهرها اللائق بجلال الله ، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث ، أو عرض قائم به . فالعلم والقدرة ، والكلام ، والمشيئة ، والرحمة ، والرضا ، والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض ، والوجه ، واليد ، والعين ، في حقه أجسام ، فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأن له علماً وقدرة ، وكلاماً ومشيئة وإن لم يكن ذلك عرضاً ، يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين ، جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجساماً ، يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين .
وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ـ أعني الذين يقولون : ليس لها في الباطن مدلول هو صفه الله تعالى قط ، وأن الله لا صفة له ثبوتية ، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما ، أو يثبتون بعض الصفات (وهي صفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر ) أو يثبتون الأحوال دون الصفات ، ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث ، على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين ـ فهؤلاء قسمان : قسم يتأولونها ويعينون المراد ، مثل قولهم : استوى بمعنى استولى ، أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش ، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه ... إلى غير ذلك من تأويلات المتكلمين . وقسم يقولون : الله أعلم بما أراد بها ، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه .وأما القسمان الواقفان : فقوم يقولون : يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله ، ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك . وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم . وقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن ، وقراءة الحديث ، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات . فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها ) .
نقل السفاريني عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن المنحرفين عن طريق السلف ، ثلاث طوائف : أهل التخييل ، وأهل التأويل ، وأهل التجهيل ، فأما ( أهل التخييل ) وهم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ، فإنهم يقولون : إن ما ذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أمر الإيمان واليوم الآخر ، إنما هو تخييل للحقائق ; لينتفع به الجمهور ، لا أنه بين به الحق ، ولا هدى به الخلق ، ولا أوضح الحقائق . وليس فوق هذا الكفر كفر .
( وأهل التأويل ) هم الذين يقولون : إن النصوص الواردة في الصفات ، لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل ، ولكن قصد بها معاني ، ولم يبين لهم ذلك ، ولا دلهم عليها ، ولكن أراد أن ينظروا ، فيعرفوا الحق بعقولهم ، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها ، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوه عن مدلوله ومقتضاه ،ويعرفوا الحق في غيره وسواه . وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ، ومن نحا منحاهم . ولا يخفى ما في ضمن كلام هؤلاء من قصد الإضلال ، وعدم النصح ، ومناقضة ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - وما وصفه الله به من الرأفة والرحمة ، وقد تظاهر هؤلاء بنصر السنة ، وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا ، ولا للفلاسفة كسروا ، بل فتحوا لأهل الإلحاد الباب ، وسلطوا القرامطة الباطنية من ذوي الفساد على الإلحاد في السنة والكتاب .
( وأهل التجهيل ) هم الذين يقولون : إن الرسول لم يعرف معاني ما أنزل عليه من آيات الصفات ، ولا جبريل يعرف معاني الآيات ، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك ، وكذلك قولهم في أحاديث الصفات ، وأن الرسول تكلم بكلام لا يعرف معناه ، وهذا قول كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف ، فيقولون في آيات الصفات وأحاديثها : لا يعلم معرفتها إلا الله ، ويستدلون بقوله - تعالى : ( { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ) ، ويقولون : تجرى على ظاهرها ، وظاهرها مراد مع قولهم : إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الحموية " : التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ، هو الحقيقة التي يئول الكلام إليها ، فتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله - تعالى – بعلمها ، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف كمالك وغيره : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، فكيفية الاستواء مثلا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله - جل وعلا .
ونلاحظ مما سبق أن اتجاهات المخالفين في نصوص الصفات فمنهم من سلك اتجاه (التمثيل)، ومنهم من سلك (النفي والتعطيل والتحريف) ، ومنهم من سلك اتجاه (التوقف والسكوت )، ومنهم من سلك اتجاه التفويض ، ومنهم من سلك اتجاه الإثبات بلا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل ولاتكيف .
(1) التحريف لغة: التغير والتبديل. والتحريف في باب الأسماء والصفات هو: تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.
(2) التعطيل لغة: مأخوذ من العطل الذي هو الخلو والفراغ والترك، والتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي أسماء الله وصفاته أو بعضها.
(3) التكييف لغة: جعل الشيء على هيئة معينة معلومة، والتكييف في صفات الله هو: الخوض في كنه وهيئة الصفات التي أثبتها الله لنفسه.
(4) التمثيل لغة: من المثيل وهو الند والنظير، والتمثيل في باب الأسماء والصفات هو: الاعتقاد فى صفات الخالق أنها مثل صفات الخلوق.

الفصل الثالث:موقف الطوائف من توحيد الأسماء والصفات
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الفلاسفة وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف بهم.
"الفلاسفة، اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها.
وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه.
وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المشاؤون خاصة وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها. وهي التي يعرفها بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين".
والذي ينبغي معرفته أن الفلاسفة لا يؤمنون بوجود الله حقيقة، ولا يؤمنون بوحي ولا نبوة ولا رسالة، وينكرون كل غيب، فالمبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين هما:
الأول الأول: أن الأصل في العلوم هو عقل الإنسان، فهو عندهم مصدر العلم.
الأصل الثاني: أن العلوم محصورة في الأمور المحسوسة المشاهدة فقط.
فتحت الأصل الأول أبطلوا الوحي، وتحت الأصل الثاني أبطلوا الأمور الغيبية بما فيها الإيمان بالله واليوم الآخر.
وقد تسلط الفلاسفة على المسائل الاعتقادية وزعموا أنها مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة ولا وجود لها في الخارج، فلا الله موجود حقيقة، ولا نبوة ولا نبي على التحقيق، ولا ملائكة، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور.
فإيمانهم بالله تبارك وتعالى لا يكاد يتعدى الإيمان بوجوده المطلق - أي بوجوده في الذهن والخيال دون الحقيقة -، وأما ما عدا ذلك فلا يكادون يتفقون على شيء، فالمباحث العقدية عندهم من أسخف وأفسد ما قالوا به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة، وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلا عن أن تكون قضايا صادقة".
ويتجلى فساد معتقد الفلاسفة في الله أكثر عندما نعرض لك بعض أقوالهم في ذات الله وصفاته.
فالفلاسفة يطلقون على الله مسمى (واجب الوجود)، وتوحيد واجب الوجود عندهم يكفي مجرد تصوره للعلم الضروري بفساده.
فالتوحيد عندهم يقتضي تجريده من كل صفات الكمال اللازمة له، فهو ليس له حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام، ولا غير ذلك من الصفات ويقولون بدلا من ذلك: "إنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة وعالم ومعلوم وعلم"، وجعلوا كل ذلك أمورا عدمية.
ودفعهم إلى ذلك زعمهم أن تعدد الصفات موجب للتركيب في حق الله وفساد هذا القول جلي واضح، فالله وصف نفسه بالصفات، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم وثبت ذلك في الكتاب والسنة نقلا.كما أن العقل يشهد بفساد قولهم، فإن تعدد الصفات لم تقل لغة ولا شرع ولا عقل سليم إنه يوجب تركيب الموصوف إلا عند الفلاسفة.


المطلب الثانى: قولهم في توحيد الأسماء والصفات
الفلاسفة يدأبون حتى يثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ولا نعتا، ولا فعل يقوم به، لم يخلق السموات والأرض بعد عدمها، ولا له قدرة على فعل، ولا يعلم شيئا. ولا شك أن الذي كان عند مشركي العرب من كفار قريش وغيرهم أهون من هذا، فعباد الأصنام كانوا يثبتون ربا خالقا عالما قادرا حيا، وإن كانوا يشركون معه في العبادة. وفساد أقوال الفلاسفة في الله لا يضاهيها فساد، فهم ينفون جميع الأسماء والصفات، سواء كانوا أصحاب فلسفة محضة كالفارابي ، أو فلسفة باطنية رافضية إسماعيلية قرمطية كابن سينا ، وإخوان الصفا، أو فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والتحقيق أن التجهم المحض وهو نفي الأسماء والصفات، كما يحكى عن جهم والغالية من الملاحدة ونحوهم من نفي أسماء الله الحسنى، كفر بين مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول" .
فهؤلاء جميعا لا يثبتون الأسماء والصفات لله تعالى. ويمنعون الإثبات بأي حال من الأحوال ولهم في النفي درجات:
الدرجة الأولى: درجة المكذبة النفاة
وهي التي عليها طائفة من الفلاسفة كابن سينا وأمثاله.
فهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان ، فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات.
الدرجة الثانية: المتجاهلة الواقفة
الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي، وهذه الدرجة تنسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية المتفلسفة.
فهؤلاء هم غلاة الغلاة لأنهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم، ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول، وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيها بما تثبت له هذه الصفات وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات" .
الدرجة الثالثة: المتجاهلة اللاأدرية
الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه.
الدرجة الرابعة: أهل وحدة الوجود
الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألا كل قول في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
يعم به أسماع كل مكون فمنه إليه بدؤه وختامه
فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24]، و{مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، وبين القول الذي يسمعه موسى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14].
وإما الإثبات الذي يقتضي أنه هو المخلوقات. أو جزء منها أو صفة لها. وكثير منهم يجمع بين هذا النفي وهذا الإثبات المتناقضين، وإذا حوقق في ذلك قال: ذاك السلب مقتضى نظري. وهذا الإثبات مقتضى شهودي وذوقي. ومعلوم أن العقل والذوق إذا تناقضا لزم بطلانهما أو بطلان أحدهم.
وهذا حالهم يترددون بين هذا النفي العام المطلق، وهذا الإثبات العام المطلق وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد، أو يصرحون بذلك. وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل، فنفاتهم لا يعبدون شيئا، ومثبتتهم يعبدون كل شيء ".
ولا ريب أن هؤلاء المعطلة بصنيعهم هذا قد أعرضوا عن أسمائه وصفاته وآياته وصاروا جهال به، كافرين به، غافلين عن ذكره، موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته، وهذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطة الدهرية أنهم يبقون في ظلمة الجهل وضلال الكفر، لا يعرفون الله ولا يذكرونه.

المبحث الثاني:الجهمية
أتباع الجهم بن صفوان وهم ينفون جميع الأسماء والصفات.
أما في أسماء الله عز وجل فقد عرف عن الجهم بن صفوان أنه له مسلكان: الأول: نفيه جميع الأسماء الحسنى عن الله عز وجل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئا لا حيا ولا غير ذلك إلا على سبيل المجاز"
الثاني: أن الله يسمى باسمين فقط هما "الخالق" و "القادر".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الجهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء، وروي عنه أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق، فلم يسمه إلا "بالخالق" و "القادر" لأنه كان جبريا يرى أن العبد لا قدرة له"
وقال رحمه الله: "ولهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمى الله بشيء، ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمى بها الخلق: كالحي، والعالم والسميع، والبصير، بل يسميه قادرا خالقا، لأن العبد عنده ليس بقادر، إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية"
وأما في صفات الله عز وجل فالجهمية ينفون جميع الصفات ولا يصفون الله إلا بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات


المبحث الثالث :المعتزلة ومن وافقهم:
ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية والإباضية وابن حزم وغيرهم وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق
... عرفنا أن القول بنفي الصفات قد بدأ قبل ظهور المعتزلة على يد الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان الذي اشتهر بنشره لهذا المذهب، وإليه نسبت فرقة الجهمية، ثم أنه لما ظهرت المعتزلة أخذت من جملة ما أخذته من الجهمية القول بنفي الصفات، ودليل ذلك: أن مؤسس مذهب الاعتزال واصل بن عطاء كان ينفي الصفات معتقداً أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء، وذلك شرك، ولذا كان يقول: "إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين".
ويرى الشهرستاني أن القول بنفي الصفات كما بدأه واصل كان غير ناضج، لأنه شرع فيه على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين.
... أما المعتزلة الذين خلفوه فإنهم عاصروا حركة ترجمة الكتب اليونانية والكتب الفارسية إلى العربية التي تشتمل على الفلسفة وبعض الأمور الدينية، وخصوصاً كتب الفلاسفة. وكان الفلاسفة يرون أن الله تعالى واجب الوجود بذاته، وأنه واحد من كل وجه ، فنفوا صفات الباري تعالى الزائدة على الذات، وقالوا: أنه تعالى عالم بالذات لا بعلم زائد على ذاته.
... فهذا أفلوطين وهو الذي تأثر به المسلمون أكثر من تأثرهم بغيره من فلاسفة اليونان، يتحدث عن تعالية الله تعالى، ويمنع أن نطلق عليه صفة من الصفات، لأننا بذلك نشبهه تعالى بالأفراد، فلا نقول أن لله تعالى علماً لأنه هو العلم.. وليس يحتاج تعالى إلى بصر، لأنه ذاته النور الذي يبصر به الناس.
... وقد تأثر المعتزلة بهؤلاء الفلاسفة، فاقتبسوا منهم قولهم في الصفات.

فالمعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.
الطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.

والطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسما ونفيها فعلا فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات.
والمقصود بنفي الصفات عندهم: هو نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وذلك أنهم يجعلونها عين الذات فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته.
وهناك آراء أخرى للمعتزلة لكنها تجتمع في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها.
وهذه الآراء للمعتزلة حملها عنهم الزيدية والرافضة الإمامية والإباضية. وابن تومرت وابن حزم
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه فقالوا حينئذ إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ونحو ذلك.
وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به.


- النجارية:
وهم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله النجار المتوفى سنة (220 هجرية) تقريبا. وكان-يزعم أن الله سبحانه لم يزل جوادا بنفي البخل عنه، وأنه لم -يزل متكلما بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأن كلام الله سبحانه محدث مخلوق، وكان يقول بقول المعتزلة في التوحيد، إلا في باب الإرادة والجود، وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء.
المعتزلة طائفتان
الأولى تنفي الصفات ، وتثبت الأسماء على أنها أعلام محضة تدل على الذات .
الثانية تنفي الصفات ، وتثبت الأسماء على أنها بمعنى متعلقاتها فالسمع بمعنى المسموع ، والبصر بمعنى المبصر ، والعلم بمعنى المعلوم..... وهكذا
والخلاصة
أن الطائفتين قد اتفقتا على النفي والإثبات ، واختلفتا في المراد بجانب الإثبات ، ومواضع الاتفاق والاختلاف هي :ـ
أ / اتفقتا اتفاقاً مطلقاً على نفي الصفات
ب/ اتفقت الطائفة الثانية من المعتزلة مع الجهمية على نفي الأسماء ، إذ لا معنى للصفة إلا دلالتها الوصفية ، ودلالة الصفة على غيرها سلب لمدلول الوصفية فيه ، أي أنه لا معنى للسمع إلا دلالته على السمعية ، ودلالته على غيرها سلب لمدلول السمعية فيه .
ج/ أن الطائفة الأولى من المعتزلة تخالف الجهمية في نفي الأسماء ،فتثبت وصفيتها ، وهي دلالتها على الذات أي أن الله سميع بذاته ، بصير بذاته ، عليم بذاته ... وهكذا !
د/ اتفاق البدعتين ـ المعتزلة والجهمية ـ على القول بأن كلام الله محدث مخلوق .
هـ/ اتفاق البدعتين ـ المعتزلة والجهمية ـ على أن الله تعالى خالق ، ورازق ، ومحيي ، ومميت والخلاف فيما عداها .


المبحث الرابع: قدماء الرافضة
فأول. من تكلم في التشبيه هم طوائف من الشيعة
وإن التشبيه والتجسيم الخالف للعقل والنقل لا يعرف في أحد من طوائف الأمة أكثر منهم في طوائف الشيعة.
وهذه كتب المقالات كلها تخبر عن أئمة الشيعة المتقدمين من المقالات الخالفة للعقل والنقل في التشبيه والتجسيم بما لا يعرف نطره عن أحد من سائر الطوائف.
وقدماء الإمامية ومتأخروهم متناقضون في هذا الباب، فقدماؤهم غلو في التشبيه، التجسيم، ومتأخروهم غلو في النفي والتعطيل".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذه المقالات التي نقلت في التشبيه والتجسيم لم نر الناس نقلوها عن طائفة من المسلمين أعظم مما نقلوها عن قدماء الرافضة. ثم الرافضة حرموا الصواب في هذا الباب كما حرموه في غيره، فقدماؤهم يقولون بالتجسيم الذي هو قول غلاة المجسمة، ومتأخروهم يقولون بتعطل الصفات موافقة لغلاة المعطلة من المعتزلة ونحوهم، فأقوال أئمتهم دائرة بين التعطيل والتمثيل، لم تعرف لهم مقالة متوسطة بين هذا وهذا".
وأما قدماؤهم فهم:
- البيانية: من غلاة الشيعة وهم أتباع بيان بن سمعان التيمي الذي كان يقول: إن الله على صورة الإنسان وإنه يهلك كله إلا وجهه، وادعى بيان أن يدعو الزهرة فتجيبه، وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم، فقتله خالد بن عبد الله القسري
2- المغيرية: وهم أصحاب المغيرة بن سعيد، ويزعمون أنه كان يقول إنه نبي وإنه اسم الله الأكبر وإن معبودهم رجل من نور على رأسه تاج، وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل، وله جوف وقلب تنبع منه الحكمة، وإن حروف (أبي جاد) على عدد أعضائه، قالوا: والألف موضع قدمه لاعوجاجها، وذكر الهاء فقال: لو رأيتم موضعها منه لرأيتم أمرا عظيما يعرض لهم بالعورة وبأنه قد رآه، لعنه الله وأخزاه.
3- الهشامية: ويسمون بالهشامية نسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي وأحيانا تنسب إلى هشام بن سالم الجواليقي وكلاهما من الإمامية المشبهة والجدير بالذكر أن الرافضة الإمامية كان ينتشر فيهم التشبيه وهذا في أوائلهم.
4- الجواريية: أتباع داود الجواربي الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية. تعال الله عن وصفه


المبحث الخامس:متكلمة الصفاتية (الكلابية- الأشاعرة- الماتريدية).

الكلابية، وهم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان (ت 243هـ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين: فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.
فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري وغيرهما.
على ذلك زعم -أي ابن كلاب- إن الله تعالى لا يستطيع التكلّم بمشيئته ، و إن كلامه هو معنى واحد قديم قائم بذاته تعالى ، إن عُبر عنه بالعربية كان قرآنا ،و إن عُبر عنه بالعبرية كان توراة ،و إن عُبر عنه بالسريانية كان إنجيلا . و زعم أيضا أ، القرآن المنزّل ليس هو بحرف و لا بصوت ، و ليس هو كلام الله حقيقة ، و إنما هو حكاية و عبارة عنه لا عينه ، و زعمه هذا لم يسبقه إليه أحد من المسلمين .
وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه راجع عن قوله.
وهؤلاء يسمون الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافا للمعتزلة لكنهم لم يثبتوا لله أفعالا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته وأصلهم الذي أضلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
والفرق بينهم وبين المعتزلة: أن المعتزلة تقول: "لا تحله الأعراض والحوادث" فالمعتزلة لا يريدون (بالأعراض) الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون (بالحوادث)، المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك- مما يريده الناس بلفظ الحوادث- بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجيزون أن يقوم به خلق) ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه. ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: (لا تقوم به الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضا". ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته
ففرقوا بين الأعراض- أي الصفات- والحوادث- أي الأمور المتعلقة بالمشيئة




وتتميما للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث). قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل. قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمر التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح.
الكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله ، ويقولون: (لو قامت به لكان محلا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص وإن لم يوجب له كمالا لم يجز وصفه به .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأئمة الصحابة: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الاسفرائيني، وأبي بمر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من لا من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.
وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها.
وقد كانا لابن كلاب جهود في الرد على الجهمية ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك فأصبح بعد ذلك قدوة وإماما لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول"
فابن كلاب أحدث مذهبا جديدا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية. وبذلك يكون قد أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة " الصفاتية " التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية.

الاشعرية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقته هو وأئمة أصحابه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي"

فقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الاسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء. لكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.
ونفاة الصفات الخبرية منهم من يتأول نصوصها ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.
وأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يطلون تأويلات النفاة.
وهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ما أسلفنا من ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الاعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:
فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضها يقر ببعضها، وفيهم تجهم من جهة أخرى.
فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.
وابن الباقلاني أكثر إثباثا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.
وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين.
متأخرو الأشاعرة والماتريدية
(من يقول بإثبات سبع صفات فقط أو ثمان ونفي ما عداها).
وهذا قول المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية الذين لم يثبتوا من الصفات إلا ما أثبته العقل فقط، وأما ما لا مجال للعقل فيه عندهم فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل ولا يستدل هؤلاء بالسمع في إثبات الصفات، بل عارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.
وهذه القول لمتأخري الأشاعرة إنما تلقوه عن المعتزلة، لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه، الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع، ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، وأثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضا للسمع، بل ما جعله معارضا له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.
وهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.
فالصفات الثبوتية عند متأخري الأشاعرة هي: الحياة، والعلم، والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام وزاد الباقلاني وإمام الحرمين الجويني صفة ثامنة هي الإدراك.
والصفات الثبوتية عند الماتريدية هي ثمان: الحياة، والعلم، والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين.
وهم قد خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها، لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم، وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم، فلذا قالوا بنفيها.
وهؤلاء لا يجعلون السمع طريقا إلى إثبات الصفات ولهم فيما لم يثبتوه طريقان أ- منهم من نفاه
ب- ومنهم من توقف فيه فلم يحكم فيه بإثبات ولا نفي ويقولون بأن العقل دل على ما أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا فيه وبهذا يعلم أنه ليس عند هؤلاء من الإثبات إلا الصفات السبع التي يسمونها صفات المعاني وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر والكلام وما عداها من الصفات الثبوتية لا يثبتونها ولهم في نصوصها أحد طريقين إما التأويل أو التفويض وفي هذا يقول قائلهم:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها.




الفصل الرابع
أصول ضلال من خاض في أسماء الله وصفاته

1/ تقديم العقل على النقل .
2/ الطعن في ثبوت أخبار الصفات ، بأنها أخبار آحاد لا تفيد العلم .
3 / الطعن في دلالة نصوص الصفات ، بأنها أدلة لفظية ، لا تفيد علماً ولا يحصل منها يقين .
4/ حمل نصوص الصفات على المجاز .
قال ابن القيم رحمه الله " فهذه الطواغيت الأربع هي التي فعلت بالإسلام ما فعلت ،وهي التي محت رسومه ، وأزالت معالمه ، وهدمت قواعده ، وأسقطت حرمة النصوص من القلوب ، ونهجت طريق الطعن فيها لكل زنديق وملحد ، فلا يحتج عليه المحتج بحجة من كتاب الله ، أو سنة رسوله إلا لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت ، واعتصم به ، واتخذه جنة يصد به عن سبيل الله ، والله تعالى بحوله وقوته ومنه وفضله قد كسر هذه الطواغيت طاغوتاً طاغوتاً على ألسنة خلفاء رسله ، وورثة أنبيائه ، فلم يزل أنصار الله ورسوله يصيحون بأهلها من أقطار الأرض ، ويرجمونهم بشهب الوحي ، وأدلة المعقول .









الفصل الخامس
موقف السلف من مسألة الخوض في الأسماء والصفات
... فمذهب السلف -رضوان الله عليهم- إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وكذلك إثبات الصفات، وعلى هذا مضى السلف".

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو يروي مذهب السلف في الصفات- :" ... فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، ثم قال: وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون } الأعراف: 180. وقال تعالى { إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة أعملوا ما شئتم ... } فصلت: 40.فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيهاً بلا تعطيل كما قال تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } الشورى: 11.. ففي قوله: { ليس كمثله شيء } رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله تعالى: { وهو السميع البصير } رد للإلحاد والتعطيل".
... هذا موجز رأي أهل السنة والجماعة في الصفات. والله أعلم
الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها.فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده. فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به.وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره.
و عليه فإن معتقد السلف الصالح في الصفات ، من استواء ، و إتيان ،و نزول ، ، قد صحت فيه (( النصوص و نقلها الخلف عن السلف ، و لم يتعرّضوا لها برد و لا تأويل ، بل أنكروا على من تأوّلها ، مع اتفاقهم عل إنها لا تُشبه نعوت المخلوقين ، و إن الله تعالى ليس كمثله شيء ،و لا تنبغي المناظرة و لا التنازع فيها ، فإن ذلك مخولة للرد على الله و رسوله ، أو حوما على التكييف أو التعطيل )).
و أقوال السلف في إثبات الصفات كثيرة جدا ، منها ، إن الأئمة : سفيان الثوري ، و مالك بن أنس ،و الليث بن سعد ، و الأوزاعي ، كانوا يقولون عن الصفات : أمروها كما جاءت ، مع نفي العلم بالكيفية .
و كان الفقيه عبد العزيز الماجشون ( ت 164ه) ، يقول : إن الصفات تُمر دون التعرّض لها ، لأن العقول عاجزة عن إدراك صفاته تعالى و تحقيقها ، بدليل عجزها -أي العقول- عن تحقيق صفة أصغر مخلوقاته ؛ و من جحد صفاته تعالى تعمقا و تكلفا ، فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران .
و قال الإمام الشافعي إن الصفات نثبتها لله تعالى ،و هي لا تُدرك حقيقتها بالفكر و الروية ، و ننفي عنها التشبيه كما نفاه الله تعالى عن نفسه، في قوله تعالى (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ))- سورة الشورى/11-.
و قال عنها الإمام أحمد بن حنبل : تُمر كما جاءت ، و يُؤمن بها ، و لا يُرد منها شيء إذا صحت أسانيدها -أي أحاديث الصفات- ،و لا يُوصف الله تعالى ، إلا بما وصف به نفسه ، بلا تشبيه و لا حد ،و من تكلّم فيها ابتدع .
و قال المفسر ابن جرير الطبري(ت310ه) ، إن صفات الله تعالى يجب إثباتها على طريقة السلف ، بلا نفي و لا تأويل ،و لا تشبيه بصفات المخلوقين .
. فقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام: « إذا قيل كيف يضحك؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحداً يفسره »
و بذلك يتضح جليا أن موقف أئمة أهل السنة-في القرون الثلاثة الأولى- من مسألة صفات الله تعالى، كان واحدا و واضحا ،و هو إثباتها بلا تأويل ،و لا تعطيل ، و لا تشبيه ، مع التنزيه الكامل لها ، لكن ذلك لم يحل دون ظهور أفراد منهم خالفوهم في بعض مسائل مذهبهم ، ليكون ذلك بذرة أولى للأزمة الحادة التي ستعصف بالمذهب السني في القرنين الخامس و السادس الهجريين .
طريقة السلف في التصدي لبدعة الخوض في الأسماء والصفات
ولما ظهرت بعض بذور البدع في عهد عمر - رضي الله عنه - : كالكلام في القدر ، والاحتجاج على المعاصي ومتشابه الآيات ، فأقام عمر معوجها بدرته المشهورة فأدب صبيغاً لخوضه في الآيات المتشابهات . ، وأدب الأمة كلها عندها هدد النصراني القدري - بطريريك الشام - حينما زعم أن الله لا يضل من يشاء ، كما أدب عمر - رضي الله عنه - الأمة كلها كذلك بقطع شجرة الحديبية لقطع دابر البدع.
- وأدب على - رضي الله عنه - الشيعة الغلاة ، وحرقهم في النار حينما علم أنهم يغلون فيه ويقدسونه .
- ولما ظهرت الخوارج قيض الله لها سائر الصحابة وعلى رأسهم عليّ - رضي الله عنه - وابن عباس - رضي الله عنهما - فأقاموا عليهم الحجة ، وبينوا لهم المحجة حتى رجع منهم من كان يريد الحق ، وأصر أهل الأهواء على بدعتهم . فقاتلهم الصحابة احتساباً وامتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمعاً لبدعهم ، وحذروا منهم ومن مجالستهم .
ولما ظهرت القدرية في النصف الثاني من القرن الأول تصدى لها متأخروا الصحابة كعبد الله بن عمر ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وواثلة بن الأسقع - رضي الله عنهم - , وكان من أشدهم على القدرية ابن عمر ، الذي حذر منها وأنذر ، وكشف عوارها , وحذر من معبد الجهني رأس القدرية وأصحابه ، ونهى عن مجالستهم ومخالطتهم والتلقي عنهم ، وكذلك ابن عباس وكذلك لما أعلن غيلان الدمشقي بدعة القول بالقدر تصدى لها التابعون وعلى رأسهم مجاهد ، والخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، وريحانة الشام الأوزاعي ، لكنه أصر على بدعته حتى قتله هشام بن عبد الملك لبدعته ، وقد زعم أهل الأهواء أن قتله كان سياسياً ! وهذا ضرب من الحكم على القلوب والنوايا التي لا يعلمها إلا علام الغيوب سبحانه واتهام للنيات ، والعدول عن الأمر البيّن المشهور الثابت عن الثقات إلى الظنون والأوهام والمشتبهات .
- ثم اعتزلت المعتزلة الأولى وعلى رأسهم واصل بن عطاء ، وعمر بن عبيد ، فتصدى لهم أئمة السنة أمثال : الحسن البصري ، وأيوب السختياني ، وابن عون ، وثابت البناني ، وابن سيرين ، وحماد بن زيد ، ومالك بن أنس وأبي حنيفة ، وابن المبارك،وهكذا كلما كثرت حشود البدعة تصدت لها جحافل السنة .
- ولما نبغت الرافضة قيض الله لها أمثال : الشعبي والشافعي وعبد الله بن إدريس الأودي وغيرهم .
- ولما برز رأس الجهمية الجهم بن صفوان ، تصدى له سائر أئمة السلف : كالزهري ، ومالك ، وأبي حنيفة ، ثم عبد الله بن المبارك ، وأمثالهم .
- ثم لما نبغ بشر المريسي - رأس الجهمية في زمانه - تصدى له أمثال عثمان بن سعيد الدارمي ، والشافعي ، والكناني .
- ولما احتشدت حشود الأهواء زمن المأمون وبعده من الجهمية والمعتزلة ومن سار على نهجهم ، وعلى رأسهم ابن أبي دؤاد ، تصدى لهم إمام السنة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل ، فكسرهم كسرة لم ينهضوا بعدها إلا متعثرين بحمد الله .
- ولما تجمعت فلول الجهمية المعتزلة في آخر القرن الثالث ، وصالت صولتها ، قيض الله لها أبا الحسن الأشعري ، وكان الخبير بعوارها ، لأنه كان معتزليا فهداه الله للسنة ، فحشر المعتزلة في قمع السمسمة - كما قيل - وكسرهم ، فانهزموا هزيمة منكرة .
- ولما نبغت نابغة الكلام وريثة الجهمية والمعتزلة ، وبدأ أهل الكلام يخوضون في صفات الله تعالى والإيمان والقدر ، تصدى لهم أئمة السلف في القرنين الرابع والخامس الهجريين : كالبربهاري ، وابن خزيمة ، وابن بطة ، والهروي واللالكائي ، وابن مندة ، والملطي ، والصابوني ، والآجري وابن وضاح ، والبغوي ، وابن عبد البر ، وأمثالهم .
- وفي القرن : السادس والسابع والثامن الهجرية ، عمت البلوى بالبدع والأهواء والافتراق ، وهيمنة الفرق في سائر البلاد الإسلامية ، واستحكمت الصوفية ببدعها ، وساد الكلام والفلسفة والباطنية والدجل ، وتسلط الكفار على كثير من بلاد المسلمين في الشام وغيرها .
فقيض الله أمثال : الشاطبي ، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه ( كابن القيم والذهبي وابن كثير وابن رجب ) فتصدى شيخ الإسلام لجحافل البدع وعساكر الضلالة وجاهد في كل ميدان بلسانه وقلمه ويده ، فقد تصدى لأهل الكلام ، والفلاسفة ، والباطنية ، والصوفية ، والرافضة واليهود ، والنصارى ، والصابئة
كما كان مجاهداً بعلمه ولسانه وسيفه للكفار والتتار والنصارى الصليبيين والبغاة ، وكان يشجع المسلمين على الجهاد في كل ميدان ، وله في ذلك إسهامات مشهورة مشهودة .أهـ
*وألف السلف الكتب في الرد على من خاض في أسماء الله وصفاته مثل كتاب (السنن) للالكائي، و(الإبانة) لابن بطة، و(السنة) لأبي ذر الهروي، و(الأصول) لأبي عمرو الطلمنكي، وكلام أبي عمر بن عبد البر، والأسماء والصفات للبيهقي، وقبل ذلك (السنة) للطبراني ولأبي الشيخ الأصبهاني ولأبي عبد الله بن منده ولأبي أحمد العسال الأصبهاني .وقبل ذلك (السنة) للخلال، و(التوحيد) لابن خزيمة، وكلام أبي العباس بن سريج، (والرد على الجهمية) لجماعة، وقبل ذلك (السنة) لعبد الله بن أحمد، و(السنة) لأبي بكر بن الأثرم، و(السنة) لحنبل وللمروزي ولأبي داود السجستاني ولابن أبي شيبة، و(السنة) لأبي بكر بن أبي عصم، وكتاب (الرد على الجهمية) لعبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري، وكتاب (خلق أفعال العباد) لأبي عبد الله البخاري، وكتاب (الرد على الجهمية) لعثمان بن سعيد الدارمي، وكلام عبد العزيز المكي صاحب (الحيدة في الرد على الجهمية) وكلام نُعيم بن حماد الخزاعي، وكلام الإمام أحمد بن حنبل، وكلام إسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى النيسابوري وأمثالهم . وقبل هؤلاء عبد الله بن المبارك وأمثاله وأشياء كثيرة .
ولما كان أبن كلاب أول من قال في كلام الله انه المعنى فقط وانه قديم تصدى لهذه المقولة السلف المعاصرين لابن كلاب و أصحابه ، و أنكروا عليهم مقالتهم ، فقد كان الإمام أحمد من أشد الناس إنكارا على ابن كلاب و أتباعه ، فلما سمع بهم ذمهم و نفّر الناس منهم ، و أمر بهجر الحارث بن أسد المحاسبي و حذّر منه ،و و وصفه بأنه جهمي ، و أعلن -ردا عليهم- إن القول بأن القرآن حكاية عن الله هو ضلال ،و أكد أن الله تعالى تكلّم بحرف و صوت .
و منهم أيضا الفقيه أبو بكر بن خزيمة ، فإنه لما سمع بوجود طائفة من الكلابية و من المتأثرين بهم بين أصحابه ، ينشرون فكرهم بينهم بخراسان ، أنكر ذلك بشدة و تصدى لهم ، و رد على مقالتهم المنحرفة ،و كذّبهم و لعنهم .
*وممن أنكر على الأشاعرة مقولتهم شيخ الشافعية أبا حامد الإسفراييني، كان يُعلن أمام الناس صراحة ، إن مذهبه في القرآن الكريم ، هو كلام الله حقيقة بحروفه و معانيه ، و يُنكر على الأشاعرة مقالتهم في كلام الله ، و يتبرأ أمامهم مما يقوله أبو بكر الباقلاني و أصحابه في كلام الله تعالى؛ و كان يقول أيضا ، إن مذهب الأشعري في كلام الله ليس هو مذهب الشافعي ، و لشدته على الأشاعرة ميّز أصول فقه الشافعي ، عن أصول أبي الحسن الأشعري ، و لم يعدهم -أي الأشاعرة- من أصحاب الشافعي ، الذين استنكفوا من الانتماء إليهم و إلى مذهبهم في أصول الفقه ، فضلا عن أصول الدين .
*إن إمام الشافعية أبا حامد الإسفراييني (ت406ه) ،و شيخ الجنابلة أبا عبد الله بن حامد ، قاما على أبي بكر الباقلاني الأشعري ، و أنكرا عليه ما كان ينشره من فكر الأشعري المخالف لمذهب أهل السنة .
و كان الإسفراييني يُطارده -أي الباقلاني-، في مجالسه العلمية ،و شوارع بغداد ، حتى أصبح يخرج إلى الحمام متنكرا خوفا من الإسفراييني ، بسبب مذهبه في كلام الله تعالى .
* تصدي الأمراء والملوك لأهل البدع
ومنهم خالد بن القسري حاكم العراق القوي والذي قتل من قبل عدة زنادقة ومدعين للنبوة منهم المغيرة بن سعيد العجلي وبيان بن سمعان النهدي أستاذ الجعد بن درهم , فعندما وصلت أخبار الجعد بن درهم إلى خالد أخذه وناظره مع أهل العلم من التابعين وألزموه بطلان بدعته ولكنه أصر عليها ولم يرجع عنها واستتابه مدة ثلاثة أيام وهو مصر على بدعته وكفره .
وفي يوم 10 ذي الحجة سنة 124هـ اصطحبه خالد القسري إلى مدينته واسط وقام يخطب العيد على المنبر والجعد مكبل بقيوده أسفل المنبر ثم قال خالد للناس :'أيها الناس ضحوا يقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً ' ثم نزل وقال له يا جعد ارجع عن مقالتك فقال الجعد :'والله لا أرجع عنها أبداً' فأخذه خالد وذبحه في أصل المنبر.
*تكفير أهل العلم من أنكر اسماً أو صفة ثابتة لله عز وجل.
" يقول الإمام أحمد: _
_ إذا قال الرجل: _ العلم مخلوق فهو كافر؛ لأنه يزعم أنه لم يكن له علم حتى خلقه، وقال أيضاً: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر، لأن القرآن من علم الله عز وجل، قال الله عز وجل: _ {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ} [آل عمران، آية 61]. "
ويقول رحمه الله: _من قال إن الله عز وجل لا يرى في الآخرة فهو كافر " " وقال هارون بن معروف: _من زعم أن الله عز وجل لا يتكلم فهو يعبد الأصنام. "
وقال محمد بن مصعب العابد: _
من زعم أنك لا تتكلم ولا تُرى في الآخرة فهو كافر بوجهك لا يعرفك، أشهد أنك فوق العرش، فوق سبع سماوات، وليس كما يقول أعداء الله الزنادقة "
وقال نعيم بن حماد: _من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف به نفسه ورسوله تشبيه "
وقال ابن خزيمة: _" من لم يقر بأن الله على عرشه، استوى فوق سبع سماواته، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على مزبلة لئلا يتأذى يريحه أهل القبلة وأهل الذمة. "
وقال الآجري: _
" باب ذكر الإيمان بأن القرآن كلام الله عز وجل، وأن كلامه جل وعلا ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر. "
ويقول ابن تيمية: _" والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممن لم يبلغه العلم في ذلك، عرف ذلك، كما يعرف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر. "
ويقول أيضاً: _
" القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بعد تدبر ذلك. ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين. "
إنكار شيء من أسماء الله أو صفاته نوعان: _
الأول: _ إنكار تكذيب، وهذا كفر بلاشك فلو أن أحداً أنكر أسماً من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة مثل: _ أن يقول ليس لله يد، فهو كافر بإجماع المسلمين ؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة .
الثاني: _ إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها، ولكن يؤولها، وهذا نوعان: _
1_ أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية فهذا لا يوجب الكفر .
2_ أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية، فهذا موجب للكفر، لأنه نفاها نفياً مطلقاً فهو مكذب حقيقة، ولو قال في قوله تعالى: _ " بل يداه مبسوطتان " المائدة، آية 64، المراد بيديه السماوت والأرض فهو كافر، لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية فهو منكر مكذب، لكن إن قال المراد باليد النعمة أو القوة، فلا يكفر ؛ لأن اليد في اللغة تطلق على النعمة . "

الخاتمة
نتائج البحث
• منهج السلف الصالح في نصوص صفات الله عز وجل هو الإيمان بها على ظاهرها بلا تشبيهٍ لها بصفات المخلوقين، ولا خوض في كيفيتها.
• إن بذرة الخوض الأولى كانت في النصف الثاني من القرن الأول عندما تأول غيلان الدمشقي المقتول (105)هـ بعض الصفات كالاستواء والخلة والتكليم، ومعبد الجهني
• أول من أطلق لفظ القديم عل الله عز وجل المعتزلة .
• أول من قال في كلام الله تعالى أنه المعنى فقط وأنه القديم ابن كلاب .
• بداية القول في صفات الله تعالى بالمجاز وهي في الإنسان حقيقة في نهاية القرن الثالث وأول الرابع وأول من قال به الجهمية والمعتزلة وتبعهم أهل الكلام .
• أول من نفى الصفات الخبرية من الأشاعرة أبي المعالي الجويني .
• إن أول من تكلم في الصفات (أي النفي المطلق الذي هو التعطيل ) في الإسلام الجعد بن درهم فإنه نفاها وقال بخلق القرآن، ومن الجعد أخذ الجهم بن صفوان هذه المقالة ونشرها في خرسان.
• 'قد أخذ الجعد بن درهم بدعته عن الضال الكافر بيان بن سمعان النهدي وهو من غلاة الشيعة الذين يعتقدون أن روح الله تعالى الله علواً كبيراً عما يقولون قد حلت بعلي بن أبي طالب ومنها لأولاده وقد ادعى النبوة وقد قتل بسيف الشرع سنة 119هـ , أما بيان بن سمعان فقد أخذ مقالته من اليهودي طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم والذي أخذها من خاله الشرير لبيد بن أعصم وهو الكلب اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم والذي أخذها بدوره من يهودي باليمن كان يقول إن التوراة مخلوقة وليست كتاب الله عز وجل ... فمقالة التعطيل يهودية الأصل والصنع حتى نقف على أس البلاء التي تعرضت له الأمة من قديم العهود .

• و أما الأشاعرة فإن المتقدمين منهم-الأشعري و أصحابه- أثبتوا الصفات الخبرية و لم يُؤولوها ؛ لكن متأخريهم لم يثبتوا إلا سبع صفات سموها عقلية - كالسمع و البصر و العلم و الحياة- و أوّلوا الصفات الخبرية -التي وردت في الشرع- ، فقالوا إن معنى اليد : المنة و العطية ، و معنى الاستواء : الاستيلاء ، و النزول يعني القرب.
• إنكار الإستواء وتأويله هي الشرارة الأولى لأهل الأهواء والتي فيها خاضوا في صفات الله تعالى نفياً وتعطيلاً وتأويلاً . ذلك أن الاستواء مرتبط بالعلو والفوقية ، فالرؤية . ثم صفات الله الفعلية ، ثم تجرؤ على بقية الصفات الخبرية كالعلم واليد وهلم جرا .
• وسطٌيةأهل السنة في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة)
• تحريم الخوض في صفات الله بغير علم ولا هدى فإنه لا سبيل إلى معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته بالعقل لأن ذلك من شئون الغيب لا سبيل إلى العقل في العلم بها إلا من خلال ما علَمنا الله إياه كما قال { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء }
• لفد تصدى سلف الأمة لأهل البدع وحذروا منهم وألفوا لكتب في الرد عليهم ،وناظروهم وأمر بهجرهم وأغلظوا القول عليهم.














فهرس الموضوعات :
التمهيد 3
التعريف بالسلف 3
المقصود بالسلف الصالح 3
تعريف الاسم 4
تعريف الصفة 4
الفرق بين الاسم والصفة 4
المبحث الأول :قواعد عامة في الصفات 5
المبحث الثاني:قواعد في أسماء الله 10
المبحث الثالث:أنواع الصفات 14
الفصل الأول:لمحة تاريخية عن نشأة الكلام في الأسماء والصفات 16
الجعد بن درهم 20
الجهم بن صفوان 21
عصر المحنة بالقول بخلق القرآن 22
عصر نشر السنة والرد على المخالفين 24
ظهور فرق الصفاتية الكلامية 25
الفصل الثاني:اتجاهات أهل القبلة حيال نصوص الصفات 29
الفصل الثالث:موقف الطوائف من توحيد الأسماء والصفات 31
المبحث الأول:الفلاسفة 31
المبحث الثاني:الجهمية 36
المبحث الثالث:المعتزلة ومن وافقهم 37
المبحث الرابع :قدماء الرافضة 40
المبحث الخامس:متكلمة الصفاتية 41
الفصل الرابع:أصول ضلال من خاض في أسماء الله وصفاته 47
الفصل الخامس:موقف السلف من مسألة الخوض في الأسماء والصفات 48
طريقة السلف في التصدي لبدعة الخوض 50
تصدي الأمراء والملوك لأهل البدع 53
الخاتمة 56
فهرس الموضوعات 58


احمد فهد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-May-2011, 08:49 PM   #5
عضو متميز
افتراضي رد: ياطلبة العلم ممكن مساعدة في تزويدي باسماء مراجع في نشأة الخلاف في الاسماء والصفا

جتني حساسية من الموضوع
الأسماء والصفات !!

التوقيع
للتواصل العلمي ..

kasaife@hotmail.com
كوكب الأرض غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10-Sep-2011, 09:12 PM   #6
عضو نشيط
افتراضي رد: ياطلبة العلم ممكن مساعدة في تزويدي باسماء مراجع في نشأة الخلاف في الاسماء والصفا

عليكى بمرجعين اولاهما الملل والنحل لابن حزم او الشهرستانى افضل ثانية ز سير اعلام النبلاء الامام الذهبى زالجزء الاول من شرح صحيح البحارى لبن حجر العثقلانى خاصة المقدمة واخر جذئ الذى علق فية على خبر الاحاد ومن تلك المراجع تسنطيعى ان تقفى على البداية التاريخية لنشائة الخلاف على يد جهم ابن صفوان وغيرة ووفقك اللة فهذا المبحث فى العقيدة الاسما ء وصفات الماعنى هو مبحث شاق وقد اخذمن شخصيا للتثبت منة على مذهب السلف عاما ونصف واسئل اللة ان ييسرة عليكى وعلى كل اخوانى من طلبة العلم وما اخذ سهلا ضاع سهلا وما اخذ صعبا لا يضيح سهلا فما بالك بالعقيدة

صلاح الدين المصرى غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 08:45 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir