أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم العقيدة ::. > الملتقى العلمي لدراسة العقيدة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-Dec-2007, 09:39 PM   #1
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
رقم العضوية: 583
الدولة: السعودية
المشاركات: 68
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 583
عدد المشاركات : 68
بمعدل : 0.01 يوميا
عدد المواضيع : 15
عدد الردود : 53
الجنس : ذكر

افتراضي الحج ـ دروس عقدية

بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
بين يدي أيام مباركات وليال فاضلات زاد هي في العمر القصير تمتد به حياة تطول بالخير فضلا من الله ونعمة على هذه الأمة ...
بين يدي هذه الأيام حري بالمؤمن وقفات التأمل ونظرات الهمة العالية لاغتنام الفرص قبل الفوات وأخذ التزود قبل انقضائه ليعود بربح تزكو به النفس وتطيب به الحياة ...
ولعلنا ـ أيها الأخوة والأخوات ـ نقف مع أظهر شعيرة تتعلق بها الأيام القريبة القادمة وهي فريضة الحج ، كلٌ منا يدلي بدلوه من معين خواطره وصفو كلماته من معان عقدية في هذه الشعيرة الكبرى ، مما نرجو نفعه لنا ولغيرنا في منتدانا هذا الذي نتشرف به ونسعد بالالتقاء فيه ...
واستأذنكم بالبدء وافتتاح هذا الموضوع ، منتظرا ما تخطه أيديكم لأفيد منه وأتزود به ويكون من التواصي بيننا بالحق والصبر :

فعنوان موضوعي :
الحج استجابة لله تعالى بالتوحيد

لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ...
بهذه الكلمات يبدأ الحاج شعيرته مناديا مناجيا متذللا منكسرا بين يدي ربه عز وجل ، مستجيبا للنداء حين نودي أن يحج البيت الحرام ..
والتلبية هي الاستجابة .. قال في النهاية : ( لبيك اللهم لبيك هو من التلبية وهي إجابة المنادي أي إجابتي لك يا رب . وهو مأخوذ من لب بالمكان وألب به إذا أقام به وألب على كذا إذا لم يفارقه ، ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير أي إجابة بعد إجابة ... والتلبية من لبيك كالتهليل من لا إله إلا الله . وقيل معناه اتجاهي وقصدي يا رب إليك من قولهم : داري تلب دارك . أي تواجهها . وقيل : معناه إخلاصي لك . من قولهم : حسب لباب . إذا كان خالصا محضا ) .
فالاستجابة لله تعالى هي أصل التوحيد ولباب العبادة ، فحين يستشعر الحاج هذا المعنى وهو يردد تلك الكلمات فليطف بها سائر الحياة التي يعيشها ليعلم أن الله تعالى ناداه في كتابه وأمره ونهاه ووعظه ووعده ودعاه وحذره في معان كثيرة لا تتجاوز حد الوسع ولا تتعدى حدود الطاقة بل بالسهل اليسير الطيب الجميل والثواب الجليل والعطاء الجزيل .
فاستصحب ـ أيها الحاج ـ وأنت تردد هذه الكلمات ذلك المعنى العظيم الذي هو كمالات في العبودية تعز بها وتعلو .
واختبر نفسك عند كل أمر ونهي جاء عن الله تعالى ، أين أنت من معنى الاستجابة فيه ؟ إذ أنت عبد له ؛ والعبد طوع سيده .
فإن كانت الاستجابة فهو خير لك ، وإن كان غيرها فكل الخسارة عائدة عليك ، والله غني حميد ، ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) .
أيها الحاج ..
ثم تأمل وجهتك إلى البيت العتيق ، ذاك المكان الذي سطرت فيه أعظم معاني الاستجابة وأكمل معاني الانقياد لله رب العالمين ...
في الأرض القاحلة التي لا زرع ولا ماء ولا أنيس ولا جليس يأتي الأمر من الله تعالى إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يسكن أهله في ذلك الوادي ... فيستجيب .
فتأتي الأم الحيرى وجنينها بين يديها وهي تنظر إلى ما حولها في ذلك الوادي فيعود إليها البصر بلا شيء إلا الوحدة والوحشة فتتبعه وهي تقول : يا إبراهيم ! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ! فتقول له ذلك مرارا ، وجعل لا يلتفت إليها . فقالت له : آلله الذي أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : إذن لا يضيعنا .
هكذا ، تعلم أن الآمر بذلك هو الله تعالى ... فتستجيب .
ويكبر الابن الحليم المبارك ، وهو بكر إبراهيم جاءه على كبر ، فاجتمعت فيه كل دواعي تعلق الأب بابنه ، فيؤمر إبراهيم بذبحه بعد أن ذاق نفعه ... فيستجيب .
ويعلم الابن أنه سيذبح بأمر الله تعالى ... فيستجيب .
( فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ، فلما أسلما وتله للجبين ، وناديناه أن ياإبراهيم ، قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ) .
أسرة كلها استجابة لأمر الله ، على عظم الأمر وشدة البلاء ...
وأنت تسير ـ أيها الحاج ـ مسيرك إلى تلك البقعة تذكر تلك الأسرة المباركة المستجيبة لله رغم عظم الأمر وشدة البلاء ، ثم ارجع إلى استجابتك وانظر كيف هي رغم اليسر والسهولة ...
فنحن لم نكلف بأن نذبح أولادنا ! ولم نكلف أن نترك أهلينا في أرض قاحلة ! أو أن نبقى في واد غير ذي زرع ولا ماء ...
ولكنا كلفنا بيسير العمل وبما لا يتجاوز وسعنا وطاقتنا ..
فهل مع هذا استجبنا وسلمنا وقلنا سمعنا وأطعنا ؟!
ثم وأنت في مسيرك إلى تلك البقعة المباركة تذكر تلك الاستجابة لخاتمة الرسالات ، حين نزل الوحي على نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم فاستجاب لأمر ربه فبلغ الرسالة وأدى الأمانة وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .
هناك .. نزل عليه ( يا أيها المدثر ، قم فأنذر .. ) فاستجاب .
وهناك .. نزل عليه ( يا أيها المزمل ، قم الليل إلا قليلا .. ) فاستجاب .
وهناك .. نزل عليه ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) .. فاستجاب .
وهناك .. نزل عليه ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) فاستجاب .
وهناك .. نزل عليه ( فاصبر إن وعد الله حق ) .. فاستجاب ...
وهكذا .. حياة كلها استجابة لأمر الله تعالى ، انطلقت من حول البيت ، يشهد لها الركن والمقام ، والصفا والمروة ، والقلوب والأسماع والأبصار التي شهدت قلبا غاية في الصدق ولسانا غاية في النصح ووجها ليس بوجه كذاب ...
لو لم تكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تأتيك بالخبر
فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم .
وفي مسيرك ـ أيها الحاج ـ إلى تلك الديار .. تذكر تلك الاستجابات النيرة التي لبى بها السابقون الأولون بعد الجهل الذي لف الأرض والشقوة التي عمت العرب والعجم إلا بقايا من أهل الكتاب .

لما قام فيهم عبدالله يدعوهم إلى الله فقالوا آمنا وصدقنا ، وسمعنا وأطعنا ...
لم يضعف استجابتهم أذى يسمعونه ولا عذاب يذوقونه ولا حمأة هاجرة يقطع حرها ظهر العظايا ، ولا إخراج من أهل ووطن كم ألفت خطاهم تربته وتنقلت نفوسهم بين جنباته ، بيد أن داعي الله أقوى في القلوب وحبه يملأ السمع والبصر والفؤاد ، فكانت الاستجابة معنى ملازما لحياتهم لا ينفك ، حتى أثنى الله عليهم ـ وهو الذي يزين مدحه سبحانه ـ فقال : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) ...
كل تلك المعاني ستراها مرسومة أمام ناظريك حين تستشعر وتتأمل وتسبح النفس في ذلك الأفق الفسيح لتلك المعاني العظام ...
وأخيرا ...
تعلم وأعلم أننا لسنا في عصمة عن ذنب نقترفه أو خطأ نقع فيه أو غفلة يغلبنا عليها الهوى ... فلتكن استجابتنا بعد هذا لنداء لن نجد أرق منه ولا أرحم ممن هو غني عنا ونحن الفقراء إليه : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) .
اللهم وفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك
التوقيع
اللهم إني أسألك كلمة الحق في الرضى والغضب
عبدالله الهذيل غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-Dec-2007, 06:34 AM   #2
عضو متميز
افتراضي

فعلا الحج مدرسة لتعلم الإسلام الحقيقي في كل جوانبه

بارك الله فيك أخي عبد الله

زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-Dec-2007, 08:36 AM   #3
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2006
رقم العضوية: 158
الدولة: المملكة العربية السعودية
المشاركات: 673
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 158
عدد المشاركات : 673
بمعدل : 0.14 يوميا
عدد المواضيع : 156
عدد الردود : 517
الجنس : أنثى

افتراضي

(الحج المبرور) محاضرة قيمة فيها كثير من دروس وأسرار الحج لمعالي الشيخ / صالح بن حميد
تحديدا في المحاضرة الأولى الدقيقة 16 ومابعدها في قضايا التوحيد في الحج على هذا الرابط
http://www.liveislam.net/browsearchive.php?sid=&id=4614

ذكر الشيخ فيها معنى الحج المبرور وكيفية تحقيقه ، وفصل معنى البِـر وأنه من البَـر وهو السعة ، ومنه سمي البَر براً لاتساعه ، ومن أسماء الله الحسنى ( البَر) لسعة رحمته وفضله سبحانه . ثم ذكر معنى البِر في المصطلح الإسلامي
ثم ثنى بقول ابن رجب رحمه الله : أصول البر في الحج ستة :
1- أصول العقائد والإيمان.
2- مايتعلق بالمال إنفاقا وكسبا .
3- إقامة الصلاة.
4-إيتاء الزكاة .
5-الوفاء بالعهود.
6-الصبر.

ثم فصل الشيخ الحديث في كل أصل.
التوقيع
الرضا بالقدر جنة الدنيا، ومستراح العابدين، وباب الله الأعظم.


التعديل الأخير تم بواسطة معالي ; 05-Dec-2007 الساعة 08:41 AM.
معالي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-Dec-2007, 07:31 PM   #4
عضو مؤسس
افتراضي

بارك الله فيك يا دكتور عبدالله
على ما طرحت وكتبت ، وهذا موضوع مهم جدا ولعل الأخوة يفيضون في الحديث عما يتعلق بالحج من عقيدة وتوحيد ، وسنة وبدعة ...
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح

التوقيع
[IMG]http://www.alsaqr.com/tawqee3/sob7ank.gif[/IMG]
سعد الماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-Dec-2007, 07:30 PM   #5
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
رقم العضوية: 583
الدولة: السعودية
المشاركات: 68
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 583
عدد المشاركات : 68
بمعدل : 0.01 يوميا
عدد المواضيع : 15
عدد الردود : 53
الجنس : ذكر

افتراضي

أشكر الجميع على مداخلاتهم ...

ومن الدروس الظاهرة في الحج أن كل منسك من المناسك فيه دال بأظهر دلالة وأجلى معنى على التعبد لله سبحانه وتعالى ، فذكر الله والتذلل له والتعلق به ظاهر في كل قيام وقعود ووقوف ومسير متعلق بالحج ...
فالمؤمن المتدبر قوله وفعله ما يزيده ذلك إلا رسوخا في تعبده لربه ، وظهورا لمعنى العبادة والتوحيد .

لكن من التبس عليه أمر العبادة وكان فؤاده معلقا بالمخلوق فيضرب له من معاني العبادة أسهما تقل وتكثر ، فإن تلك المعاني لا تزيد مفهوم العبادة عنده إلا تشوشا ، ولا دلائل التوحيد إلا حيرة وشكا .

فلله ما أعظم اليقين وأسماه ، نسأل الله الهدى والتقى .

ولعلي هنا أنقل كلاما لأحد الرافضة يتضح به ذلك الخلط في مفهوم العبادة حين يتبدى له الطواف حول البيت واستلام الحجر والسعي بين جبلين فيرى صورة مشابهة لأعمال الجاهلية يحتاج إلى تحريرها بدعاوى باطلة تمليه عليه أفكاره وإفرازات مذهبه .

يقول جعفر السبحاني في كتابه التوحيد في القرآن الكريم ص 43 : ( إن جميع المسلمين يطوفون في مناسك الحج بالبيت الذي لا يكون إلا حجرا وطينا ، ويسعون بين الصفا والمروة ، وقد أمر القرآن الكريم بذلك حيث قال : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) ، ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) ، فهل ترى يكون الطواف بالتراب والحجر والجبل عبادة لهذه الأشياء ؟
ولو كان مطلق الخضوع عبادة لزم أن تكون جميع هذه الأعمال ضربا من الشرك المجاز المسموح به ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
إن المسلمين يستلمون الحجر الأسود ـ في الحج ـ ، واستلام الحجر الأسود من مستحبات الحج ، وهذا العمل يشبه من حيث الصورة ـ لا من حيث الواقعية ـ أعمال المشركين تجاه أصنامهم ، في حين أن هذا العمل يعد في صورة شركا ، وفي أخرى لا يعد شركا ، بل يكون معدودا من أعمال الموحدين المؤمنين ، وهذا يؤيد ما ذكرناه آنفا من أن الملاك هو النيات والضمائر لا الصور والظواهر ، وإلا فهذه الأعمال بصورها الظاهرية لا تفترق عن أعمال الوثنيين ) .أ هـ

قلت : هب أن المشركين يعتقدون الربوبية في أوثانهم ، وأنها مستقلة بالنفع والضر ، أتراهم حين ينزعون ذلك الاعتقاد ويطرحونه ، ويصرحون بأن فعلهم ذلك لا يريدون به إلا وجه الله تعالى ، وأنهم لا يريدون من طوافهم بأصنامهم وسجودهم لها وسائر طقوسهم التي يقومون بها تجاههم إلا القربة والزلفى إلى الله تعالى ، أترى تلك الأعمال الظاهرة في الشرك والوثنية تنقلب توحيدا خالصا بتلك النية التي صرحوا بها ؟!
فإن كان النفي فهو الإبطال لقوله .
وإن كان الإثبات ، فما أبعد الحجة إذا احتاج النهار إلى دليل !

التوقيع
اللهم إني أسألك كلمة الحق في الرضى والغضب
عبدالله الهذيل غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-Dec-2007, 03:21 AM   #6
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2006
رقم العضوية: 158
الدولة: المملكة العربية السعودية
المشاركات: 673
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 158
عدد المشاركات : 673
بمعدل : 0.14 يوميا
عدد المواضيع : 156
عدد الردود : 517
الجنس : أنثى

افتراضي مختارات من العقيدة والحج (1)د/ أحمد القاضي


وعد الله عباده المستجيبين لندائه شهود منافع مطلقة، لا حصر لها ، ولا حد، فقال : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) الحج : 27-28. وفيما يلي التماس لأهم تلك المنافع التي يشهدها حجاج بيت الله الحرام ، ويرجعون بها إلى أهليهم، ويبقى لهم غنمها :

أولاً : التوحيد والإخلاص :
إن القارئ لآيات بناء البيت ، ورفع قواعده ، والأذان بالحج ، يلحظ التلازم الوثيق بين هذا الحدث الكبير ، وتقرير التوحيد ، ونبذ الشرك . قال تعالى :
( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) الحج : (26)
( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ . إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) البقرة : 127-131
( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق ) الحجٍ : 30-31
كما يجد المتتبع لسياق حجة النبي صلى الله عليه وسلم إعلان التوحيد ، في عدة مشاهد مشرقة ، منها :
1- التلبية : ففي حديث جابر بن عبد الله ، رضي الله عنهما : ( فأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك . لبيك لا شريك لك لبيك . إن الحمد ، والنعمة ، لك ، والملك . لا شريك لك ) رواه مسلم .
2- سؤال الله الإخلاص : فقد سأل ربه قائلاً : ( اللهم حجة، لا رياء فيها ولا سمعة ) رواه ابن ماجه . فإن بذل الأموال ، ومفارقة الأهل والوطن ، والتعرض للأخطار ، مظنة لتسلل العجب والرياء إلى النفس .
3- قراءة سورتي التوحيد؛ العملي، والعلمي؛ الكافرون، والإخلاص، في ركعتي الطواف
4- ذكر الصفا والمروة : قال جابر، رضي الله عنه : ( فاستقبل القبلة ، فوحَّد الله ، وكبره ، وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير . لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده )
5- الدعاء : وهو من أعظم مظاهر التوحيد ، حين يقبل العبد على ربه ، بكليته ؛ خائفاَ، راجياً ، طامعاً، راغباً ، راهباً ، منيباً ، متضرعاً، مبتهلاً . وقد وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم في ستة مواقف طوال في حجة الوداع : على الصفا ، وعلى المروة ، وفي عرفة ، وعلى المشعر الحرام في المزدلفة ، وبعد رمي الجمرة الصغرى ، وبعد رمي الجمرة الوسطى ، في سائر أيام التشريق .

فحري بمن أشهده الله هذه المواطن الشريفة ، أن يفقه هذه المعاني الشريفة ، وأن ينفض الغبار عن نفسه ، ويجلو صدأ قلبه ، ويذكي جذوة التوحيد في روحه . فكما أن الكعبة بيت الرب في الأرض ، فالقلب بيت الرب في العبد . وكما أن الكعبة يطيف بها الحجاج والعمار ، فيينبغي أن يطيف بالقلب الخوف، والرجاء، والمحبة ، والتوكل ، والإنابة ، والاستعانة ، والاستغاثة ، وغيرها من وظائف القلب السليم .
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم خير الذكر والدعاء ، ما يكون في خير يوم طلعت فيه الشمس ، يوم عرفة ، فقال : ( خير الدعاء دعاء يوم عرفه ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ) رواه الترمذي ، وفي لفظٍ : ( أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة ) رواه الطبراني ، وحسنه .

التوقيع
الرضا بالقدر جنة الدنيا، ومستراح العابدين، وباب الله الأعظم.

معالي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-Dec-2007, 03:29 AM   #7
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2006
رقم العضوية: 158
الدولة: المملكة العربية السعودية
المشاركات: 673
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 158
عدد المشاركات : 673
بمعدل : 0.14 يوميا
عدد المواضيع : 156
عدد الردود : 517
الجنس : أنثى

افتراضي العقيدة والحج (2)


المتابعة والانقياد:
ما من عبادة من العبادات يتجلى فيها الانقياد التام ، والمتابعة المطلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كالحج ! فالحاج يتقلب في مناسك متنوعة ، ويتنقل بين مشاعر متعددة ، لا يعقل لكثير منها معنى ، سوى الامتثال لأمر الله ، والتأسي برسول الله . فهو يقبل حجراً تارةً ، ويرمي حجراً تارةً أخرى ! وهو يتجاوز مشعراً ، ليصل إلى آخر ، ثم يعود إلى الأول ! وهو يطوف سبعاً ، ويسعى سبعاً ، ويرمي بسبع ، دون أن يدرك معنى خاصاً للعدد !
وقد أدرك الصحابة ، رضوان الله عليهم، أهمية المتابعة ، وشعروا بالحاجة إلى تصحيح مناسك إبراهيم ، عليه السلام ، وتنقيتها مما شابها من شرك الجاهلية وبدعها ، على يد أولى الناس به ، محمد صلى الله عليه وسلم ، فما أن أذن في الناس في السنة العاشرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجٌّ ، حتى ( قدم المدينة بشر كثير ) رواه مسلم ، وفي رواية : ( فلم يبق أحدٌ يقدر أن يأتي راكباً، أو راجلاً، إلا قدِم ) رواه النسائي ، ( كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله ) رواه مسلم . ويصف جابر بن عبد الله ، رضي الله عنهما، ذلك المشهد العجيب ، والموكب النبوي المهيب ، حين استوت به ناقته على البيداء ، بقوله : ( فنظرت إلى مد بصري بين يديه ؛ من راكب، وماش، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن يساره مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك . ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ، وعليه ينزل القرآن ، وهو يعرف تأويله ، وما عمل به من شيء عملنا به ) رواه مسلم .
كما أنه صلى الله عليه وسلم ظل ينبه على هذا المعنى ، من المتابعة والانقياد ، فيقول :( لتأخذوا مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ) رواه مسلم
وقد فقه الصحابة هذا المعنى ، فلما قبَّل عمر، رضي الله عنه، الحجر الأسود، قال: ( إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ، ما قبلتك ) رواه الجماعة .
قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله : ( وفي قول عمر هذا، التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها. وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه ) فتح الباري: 3/463 . وقال عمر، رضي الله عنه، أيضاً : ( ما لنا وللرَّمل ، إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله . ثم قال : شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه ) رواه البخاري . وفي رواية : ( فيما الرَّملانُ الآن ، والكشف عن المناكب ، وقد أطَّى الله الإسلام ، ونفى الكفر وأهله ؟ ومع ذلك، لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه .
ولم يكن الصحابة ، رضوان الله عليهم ، يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ، في المناسك ، ولا في غيرها ، أواجبٌ هذا أو سنة ُ ؟ بل كانوا يعظمون سنته ، ولا يماكسون فيها ، ولا يتتبعون الرخص ، والشاذ من الفتاوى ، كما يصنع الناس اليوم . ويعملون بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ) متفق عليه .

إقامة ذكر الله:
إن من أعظم مقاصد الحج ، وأهمها، إقامة ذكر الله . ويلحظ القارئ لآيات المناسك تكرار الأمر بذكر الله عقيب كل منسك ، قال تعالى :
(فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ .ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) البقرة : 198-200
(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ) البقرة : 203
( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ) الحج :28
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)الحج: 34
( كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ ) الحج : 37
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله في الأرض ) رواه الترمذي ، وقال : ( أفضل الحج : العجُّ والثجُّ ) ، وقال له جبريل عليه السلام : ( كن عجاجاً ثجاجاً ) رواه أحمد . والعجُّ : رفع الصوت بالتلبية ، والثجُّ : إهراق دم الهدي .
فينبغي لمن تلبس بهذه المناسك أن يستشعر هذا المعنى الجليل ، وأن يلهج لسانه بذكر الله ، وتكبيره ، واستغفاره ، ودعائه ، كما أمر ، فإن الله يحب أن يذكر اسمه . وكثير من الناس ينهمك في أداء المناسك ببدنه ، وقلبه غافل ، ولسانه عاطل .

كما ينبغي لمن أكرمه الله بإقامة ذكره في الحج أن يحفظ الدرس ، ويرجع ذاكراً، شاكراً، حامداً ، مهللاً، مكبراً ، لا يزال لسانه رطباً بذكر الله في جميع تقلباته ، وأحواله ؛ فالذكر جماع الخير ، ومنبع الفضائل ؛ فعن عبد الله بن بسر، رضي الله عنه، قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل ، فقال : يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا ، فبابٌ نتمسك به جامع ؟ قال : ( لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل ) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه .
التوقيع
الرضا بالقدر جنة الدنيا، ومستراح العابدين، وباب الله الأعظم.

معالي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-Dec-2007, 03:36 AM   #8
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2006
رقم العضوية: 158
الدولة: المملكة العربية السعودية
المشاركات: 673
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 158
عدد المشاركات : 673
بمعدل : 0.14 يوميا
عدد المواضيع : 156
عدد الردود : 517
الجنس : أنثى

افتراضي العقيدة والحج (3)

تعظيم شعائر الله وحرماته :

قال تعالى في سياق آيات الحج : ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) الحج:30، ثم قال:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)الحج :32
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ، رحمه الله : ( حرمات الله : كل ما له حرمةٌ ، وأمر باحترامه من عبادةٍ أو غيرها ؛ كالمناسك كلها ، وكالحرم والإحرام ، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها؛ فتعظيمها إجلالاً بالقلب ، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها ، غير متهاون ولا متكاسل ولا متثاقل ) ثم قال : ( المراد بالشعائر : أعلام الدين الظاهرة ، ومنها : المناسك كلها؛ كما قال الله تعالى : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) ، ومنها : الهدايا والقربان للبيت ... ومنها : الهدايا ؛ فتعظيمها باستحسانها، واستسمانها، وأن تكون مكمَّلة من كل وجه . فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب ؛ فالمعظم لها يبرهن على تقواه ، وصحة إيمانه ؛ لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله ) تيسير الكريم الرحمن : 3/ 1098-1099

إن هذا الحس الإيماني المرهف ، الذي يستقرئ المعاني من وراء الصور والأعيان في مناسك الحج وشعائره، ينبغي أن يستصحبه المؤمن في سائر شعائر الله الزمانية والمكانية؛ فيعظم ما عظم الله ، ويهون ما هون الله ، ويقدم ما قدم الله ، ويؤخر ما أخر الله ، وتستقيم مشاعره مع شعائر الله ،ويكون هواه تبعاً لما جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم.
وكثير من الحجاج ينهمك في في أداء المناسك الظاهرة ؛ من طواف، وسعي، ورمي وغيرها، دون أن يصاحب ذلك تعظيم باطني لشعائر الله ، فلهذا يتشاغل برؤية الغادي والرائح ، ويبدو عليه الفتور والملل، ويبحث عن شواذ الرخص، بخلاف من عمر قلبه بجلالة الموقف، ولذة العبادة. وهذا ينسحب على بقية شرائع الدين .


الولاء والبراء :
عجباً لهذا الدين العظيم ! كيف ينشئ في نفوس معتنقيه وحدةً فريدة، ولحمةً متينة، وانتماءً عميقاً، يتخطى الحواجز المكانية والزمانية، ويتسامى على الفروق العرقية والاجتماعية، ويتجاوز الخلافات السياسية والمادية، ويصهر التنوعات اللغوية والثقافية، لمختلف الشعوب والقبائل في نهر كبير مطرد، اسمه ( الأمة الإسلامية ) !
حين يلفظ العربي الفصيح، والأعجمي بلكنته : (لا إله إلا الله.محمد رسول الله) !
وحين تصطف صفوف الصلوات الخمس خلف إمام واحد، يصلون لرب واحد !
وحين يقتطع المسلم الغني زكاة ماله ليرفد بها إخوانه الفقراء في أصقاع الأرض !
وحين يمسك أكثر من مليار من البشر عن الأكل والشرب، في شهر واحد !
وحين تبعث كل أمة بوفدها إلى بلدٍ واحد، في شهرٍ واحد، لأداء نسكٍ واحد، على صعيد واحد، لباسهم واحد، يلبون لرب واحد، نبيهم واحد، وكتابهم واحد !

حين يفعلون ذلك ، يتجلى بشكل واضح أحد مقاصد الدين العظام ، ألا وهو تحقيق الموالاة بين المؤمنين ، وشعورهم برابطة الأخوة الإيمانية التي تجتاح جميع الروابط ، وتذيب جميع الفوارق . قال تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ ) المائدة :55- 56، وقال : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) التوبة : 71. وهذه الموالاة تفرض حقوقاً وحرمات على أعضاء الجسد الواحد، ولبنات البنيان الواحد، جسدها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة عرفات، وبين يديه مائة ألف أو يزيدون، حين قال : ( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ) رواه مسلم.
وبإزاء هذه الموالاة، ومن لازمها ومقتضاها : البراءة من الكفار على اختلاف أصنافهم ومللهم . وقد كان موسم الحج الميدان المناسب لإعلان تلك البراءة، زماناً ومكاناً، حيث أنزل الله تعالى صدر سورة براءة : ( برَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ . وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) التوبة : 1-3 . وعن أبي هريرة، رضي الله عنه ، قال : ( بعثني أبو بكر، رضي الله عنه ، تلك الحجة في المؤذنين، بعثهم يوم النحر، يؤذنون بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) رواه البخاري
وقد تضمنت حجة النبي صلى الله عليه وسلم العديد من شواهد البراءة من المشركين، ومخالفة هديهم :
1- في التلبية : كانوا يقولون : ( لبيك لا شريك لك ، إلا شريكاً هو لك ، ملكته وما ملك ) فأهل بالتوحيد .
2- الجواز إلى عرفة : مخالفةً لمشركي قريش الذين كانوا يقولون : نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه .
3- الدفع من عرفة بعد مغيب الشمس، وذهاب الصفرة ، خلافاً للمشركين الذين كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس على رؤوس الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال .
4- الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس ، خلافاً للمشركين الذين كانوا يقولون : أشرق ثبير كيما نغير ، لجبلٍ في المزدلفة تشرق عليه الشمس .
قال ابن القيم، رحمه الله : ( استقرت الشريعة على قصد مخالفة المشركين، لا سيما في المناسك ) تهذيب سنن أبي داود : 3/309
وقد قرر هذه البراءة من الجاهلية وأهلها في خطبة عرفة حين قال : ( ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ... وربا الجاهلية موضوع ...وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعد إن اعتصمتم به كتابَ الله) رواه مسلم.
إن الدرس العظيم الذي ينبغي أن يرجع به كل حاج أن يشعر أنه من أمة مصطفاة خُيِّرت على سائر الأمم ، وهُديت لأفضل السبل ، وأنْ ليس ثمَّ إلا إسلام أو جاهلية ، هدىً أو ضلالة ، حزب الله ، أو حزب الشيطان ، صبغة الله ، أو صبغة الذين لا يعلمون ! (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) البقرة : 138، ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) المائدة :50
وهذه الأمة، وإن بدت متخلفةً مادياً وعسكرياً، بسبب تقصير أهلها بالأخذ بأسباب القوة والإعداد، إلا إنها تؤي إلى ركن شديد من العقائد، والشرائع، والأخلاق، ما أن يأذن الله بالفتح والفرج، حتى تعود لخيريتها، وتؤدي دورها الذي أكرمها الله به ، قال تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) آل عمران : 110، فلا ينبغي للمؤمن أن يهون، ولا يحزن، مهما بلغ الحال من الهزيمة الظاهرية : ( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) آل عمران : 139

وما أحرى الأمة، بجميع فئاتها وتخصصاتها، أن تتخذ من موسم الحج موسماً للتلاقي، والتباحث في مصالحها المختلفة؛ فتعقد المؤتمرات السياسية، والاقتصادية، والعلمية، والاجتماعية، في موسم الحج، ويتكرر ذلك كل عام، إذاً لانحلت مشكلات كثيرة، وتذللت صعاب جمة، وبدت الأمة أمام خصومها قويةً متماسكة .
التوقيع
الرضا بالقدر جنة الدنيا، ومستراح العابدين، وباب الله الأعظم.

معالي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-Dec-2007, 05:02 AM   #9
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
رقم العضوية: 1153
الدولة: اليمن
المشاركات: 373
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 1153
عدد المشاركات : 373
بمعدل : 0.08 يوميا
عدد المواضيع : 86
عدد الردود : 287
الجنس : ذكر

افتراضي

بارك الله في جميع الأخوة الذين شاركوا في التعريف بدروس الحج العقدية بدأ بالأخ عبدالله وانتهاء بالأخت معالي وجزاكم الله خيرا وكتب لكم الأجر والثواب على ما قدمتم.

ونتمنى أن يقوم أحد الأخوة بدراسة واستخراج الدروس العقدية في جميع العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج حتى تجتمع عندنا (موسوعة التوحيد في العبادات) للدلالة على أهمية التوحيد حتى في الأمور التعبدية الظاهرة.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم حجة لبيت الله الحرام تتطهرنا من ذنوبنا ومعاصينا وترفعنا في درجاتنا والحمد لله رب العالمين.

التوقيع
(ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني:
إن حبسي خلوة . . وقتلي شهادة . . وإخراجي من بلدي سياحة)
شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله تعالى

التعديل الأخير تم بواسطة عبدالله السَّيباني ; 12-Dec-2007 الساعة 05:07 AM.
عبدالله السَّيباني غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 02:16 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir