أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم العقيدة ::. > الملتقى العلمي لدراسة العقيدة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-Aug-2008, 03:18 AM   #1
عضو متميز
افتراضي عقيدةأهل السنةوالجماعةفي التوكل والتواكل

أضع بين يديكم بحث كتبته عن عقيدة أهل السنة والجماعة في التوكل على الله والتواكل,قامت بالإشراف عليه أ.د هيا آل الشيخ.
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه به, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهديه الله فلا مضل له,ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا, وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبد الله ورسوله .
أما بعد..فقد أمرنا الله عز وجل في كتابه الكريم وقال{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين},فأشترط سبحانه وتعالى الأيمان به للتوكل عليه,ممايبين أن للتوكل على الله منزلة عظيمة,لايقوم بها إلا المؤمنون,ويثابون عليها الثواب العظيم,ففيهاتجتمع عبادات عظيمة جليلة,منها قصد العبد قلبه لله عزوجل وحده,فهذا منه دليل على توحيد الربوبيه,على أنه هو وحده سبحانه بيده الأمر كله,وهي عبادة قلبيه كما قال الأمام أحمد-رحمه الله-:(التوكل عمل القلب).فإن أعمال القلوب من أوجب الواجبات,وفي كتاب الله عزوجل آيات عديدة,في شأن التوكل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أحاديث تأمر بالتوكل ممايبين لنا أهمية التوكل وعظمة درجته عند الله,ولقد وعى هذه الآيات والأحاديث الشريفه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم,وعملوا بها,وكانت لهم أحوال في توكلهم على الله لنا فيهم أسوةً حسنة.
فأردت في بحثي هذا أن أبين عقيدة الفرقه الناجيه,أهل السنة والجماعة في التوكل على الله,وفق ماجاء في كتابه وسنة نبيه الكريم,دون أفراطٍ أو تفريط مبتغين بذلك فعل ماأمرهم الله به وإتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم,وجني ثمار هذا العمل في الدنيا والاخرة,فجاء البحث على النحو التالي:
المقدمة
الفصل الأول:-
المبحث الأول- تعريف التوكل.
المبحث الثاني- الشواهد من القرآن الكريم والسنة النبوية على أهمية التوكل.
المبحث الثالث- حال سلف الأمة الصالح مع التوكل.
المبحث الرابع- أهمية التوكل.
المبحث الخامس- أقسام التوكل على الله من حيث المتوكل عليه.
المبحث السادس- مراتب الناس في التوكل على الله وأفضل هذه المراتب.
المبحث السابع- لوازم تحقيق التوكل على الله.
الفصل الثاني:-
المبحث الأول- تعريف التواكل.
المبحث الثاني- ماينافي التوكل.
المبحث الثالث- الفرق بين التوكل والتواكل.
المبحث الرابع- فضائل التوكل على الله وفوائده.
المبحث الخامس- موقف بعض الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة من التوكل على الله.
*أهم الأستنتاجات في التوكل على الله عندأهل السنة والجماعة.
الخاتمة
المراجع
الفهارس

*المنهج المتبع في هذا البحث:-
اتبعت في كتابة البحث منهجي الأستقراء والأستنباط,وحرصت في بيان التوكل على الله ومايترتب عليه من مباحث, على الأخذ من نصوص الكتاب والسنة أولا,ثم ماورد من سلف أمتنا الصالح,ثم بينت مايخالفه وهو التواكل,وقمت بعزوا الآيات إلى القران,وتخريج الأحاديث من مصادرها الأصليه,والبحث صوره إجماليه يوضح منهج أهل السنة والجماعة في التوكل على الله,ثم أنهيته بذكر أهم الأستنتاجات التي خرجت بها من البحث على سبيل الذكر لا الحصر.

هذا واسال الله تعالى أن يرزقنا الأخلاص والقبول على هذا العمل اليسير,كما وأسأله التوفيق والسداد لما يحبه تعالى ويرضاه في الدنيا والآخرة.
وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.





الفصل الأول:وفيه سبعة مباحث:-

*المبحث الأول- تعريف التوكل.

*المبحث الثاني- الشواهد من القرآن الكريم والسنة النبويه على أهمية التوكل.

*المبحث الثالث- حال سلف الأمة الصالح مع التوكل.

*المبحث الرابع- أهمية التوكل على الله.

*المبحث الخامس- أقسام التوكل على الله من حيث المتوكل عليه.

*المبحث السادس- مراتب الناس في التوكل على الله وأفضل هذه المراتب.

*المبحث السابع- لوازم تحيق التوكل على الله.




الفصل الأول:-
*المبحث الأول- تعريف التوكل:
إن للتوكل على الله معان عديدة عرفها العلماء بعدة تعاريف منها:
- قول الأمام أحمد -رحمه الله-:التوكل عمل القلب.ومعنى ذلك:أنه عمل قلبي,ليس بقول بلسان,ولاعمل الجوارح,وهومن باب العلوم والأدركات.
- ومنهم من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: هوعلم القلب بكفاية الرب للعبد.
- ومنهم من يفسره بالسكون,وخمود حركة القلب,فيقول: التوكل إنطراح القلب بين يدي الرب,كإنطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء,وهو ترك الأختيار,والاسترسال مع مجاري الأقدار.
- ومنهم يفسره بالرضى,فيقول: هو الرضى بالمقدور.
- ومنهم من يفسره: بالثقه بالله,والطمأنينةإليه,والسكون إليه.[1]
ومن أشمل ماوقفت عليه من التعاريف ماعرفه شيخنا العلامة محمد بن صالح آل عثيمين- رحمه الله- في شرح كتاب التوحيد فقال: هوالاعتماد على الله-سبحانه وتعالى-في حصول المطلوب ودفع المكروه,مع الثقة به وفعل الإسباب المأذون فيها,ولابد من أمرين:
الأول: أن يكون الاعتماد على الله اعتمادً صادقاً حقيقياً.
الثاني: فعل الأسباب المأذون فيها.[2]

*المبحث الثاني-الشواهد من القرآن الكريم والسنة النبوية على أهمية التوكل:
لقد شمل القرآن الكريم آيات عظيمة تأمربالتوكل على الله قال تعالى{فاعبده وتوكل عليه}[3] وآيات ترفع من شأن المتوكلين على الله وتحفزعلى ذلك,وتصف المتوكلين بالإيمان كما قال تعالى{إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}[4]وقال{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}[5] كما بينت هذه الآيات أن من أحب الأعمال إلى الله التوكل عليه قال تعالى لنبيه{فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}[6]وقال له {فتوكل على الله إنك على الحق المبين}[7]وقال تعالى على لسان انبيائه مايبين حالهم تجاه هذه العباده {ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا}[8] هذا وقد جاءت آيات آخرى كان مما امتدح الله فيها أصحاب نبيه توكلهم عليه فقال{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}[9]وقال عن أوليائه{ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير}[10] وفي موضع اخر من كتابه وعد سبحانه وتعالى عباده بإن من توكل عليه كفاه ماأهمه فقال{ومن يتوكل على الله فهو حسبه}[11]والقرآن الكريم مملوءبالآيات التي تتحدث عن التوكل وفضله فما ذكرته كان على سبيل الذكر لا الحصر.
هذا وقد جاء في السنة النبوية أحاديث كثيره ومتواتره تأمربالتوكل وتبين منزلته وعظم أجر صاحبه,ومن هذه الأحاديث الدالة على وجوب التوكل قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي:(يقول تعالى:ياعبادي كلكم جائع إلا من أطعمته,فاستطعموني أطعمكم,وكلكم جائع إلا من أطعمته,فاستطعموني اطعمكم,وكلكم عارٍإلامن كسوته,فاستكسوني أكسكم)[12]
قال شيخ الأسلام إبن تيمية-رحمه الله-عن هذا الحديث الشريف:(وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة,كالطعام ودفع المظرة كاللباس ,وأنه لايقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدرة مطلقة..)[13]كما أن من أسمائه صلى الله عليه وسلم المتوكل ففي الصحيحين أنه جاء في التوراة(إنا أرسلناك شاهداًومبشراًونذيراًوحرزاً للأميين انت عبدي ورسولي سميتك المتوكل..)وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرالتوكل على الله فكان يقول في دعائه(اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت..)[14]وحض على التوكل فقال(لوأنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطيرتغدواخماصاً وتروح بطاناً)[15]وقال الرسول صلى الله عليه وسلم :(من قال-يعني إذا خرج من بيته-بسم الله توكلت على الله و لاحول ولا قوة إلا بالله,يقال له:هديت ووقيت وكفيت,فيقول الشيطان لشيطان آخر:كيف لك برجل قدهدي وكفي ووقي؟)[16]وكذلك قال صلى الله عليه وسلم :(من قال في كل يوم حين يصبح وحين يمسي:حسبي الله لا إله إلاهو عليه توكلت وهورب العرش العظيم,سبع مرات,كفاه الله ماأهمه من أمر الدنيا والأخرة)[17]وبين صلى الله عليه وسلم مالي للمتوكلين من أجروثواب عظيم في الأخرة في حديث السبعين الفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فقال عنهم:(هم الذين لا يسترقون, ولايتطيرون ولايكتوون,وعلى ربهم يتوكلون)[18]
قال إبن القيم الجوزية-رحمه الله-:(فلكمال توكلهم على ربهم وسكونهم إليه وثقتهم به ورضاهم عنه وإنزال حوائجهم به لايسألون الناس شيئاً لارقية ولاغيره)[19] وعن إبن عباس- رضي الله عنه- قال:(حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في الناروقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له{إنا الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناًوقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}[20] وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أحد,فمر بهم ركب من عبد القيس فقالوا:أين تريدون؟ قالوا:نريد المدينة.قالوا:هل أنتم مبلغون عنا محمدرسالة؟ قالوا: نعم.فإذا وافيتموه أخبروه أنا قد جمعناالسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمرالركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان. فقال صلى الله عليه وسلم:(حسبنا الله ونعم الوكيل).[21]
قال إبن القيم-رحمه الله-:(مدحوه سبحانه بإنه نعم الوكيل لمن توكل عليه بقولهم حسبنا الله أي كافينا الله لايستحق المدح إن لم يجلب لمن توكل عليه منفعة ويدفع عنه مضرة والله خير من توكل العباد عليه فهو نعم الوكيل يجلب لهم كل خيرويدفع عنهم كل شر)[22]
وفي السنة النبوية الكثيرمن صورالتوكل التي تبين لنا حرص رسولنا الكريم على العمل بالتوكل والحث عليه مايجعلنا نحرص على هذه العباده العظيمة والأقتداء به صلى الله عليه وسلم.


*المبحث الثالث:حال سلف الأمة الصالح مع التوكل:
خيرمن حمل كتاب الله وسنة رسولنا الكريم وفهموها الفهم الصحيح وعملوا بهاعلى أكمل وجه هم الصحابة رضوان الله عليهم,فقد كانوا سباقون للخير ساعين إليه بكل أحوالهم,وقدسطروا لنا صورمن التوكل على الله لنا فيهم أسوة حسنة في إقتفاء أثرهم والسيرعلى منهجهم السليم,قال شيخ الأسلام إبن تيميه-رحمه الله-:(المهاجرين والأنصاروأبو بكر الصديق- رضي الله عنه- أفضل الأولياء المتوكلين بعد الأنبياء,وكان عامتهم يرزقهم الله بأسباب يفعلونها,كان الصديق تاجراًوكان يأخذ مايحصل معه من المغنم)[23]ولمااستخلف الخلافة أصبح غادياً إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بهافلقيه عمروابوعبيدة فقالا:أين تريد.فقال: السوق.قالا:تصنع ماذا؟وقدوليت أمر المسلمين.قال: فمن أين أطعم عيالي)[24],فقد سعى -رضي الله عنه- في رزقه ولم يتكل على أحد, وقد أخرج ماله كله وقال له النبي صلى الله عليه وسلم(ماتركت لأهلك قال:تركت لهم الله ورسوله[25]). فمن قوة توكله -رضي الله عنه- أنه أنفق ماله متيقناً بالله أنه سيخلفه خير,وهذا الفاروق-رضي الله عنه- قد برزمن قوة توكله على الله حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم:( ياعمرمالقيت الشيطان سالكاً فجا إلاسلك فجاً غير فجك)[26],ويذكر عنه أنه قدم ناس من أهل اليمن إلى الحج بلا زاد,فجيء بهم إلى عمر-رضي الله عنه-فسألهم,فقالوا:نحن المتوكلون على الله.فقال:(لستم المتوكلون بل أنتم المتواكلون).[27] وهذا علي بن ابي طالب-رضي الله عنه-كان متوكلاً على الله داعياً إلى ذلك فكان يقول:(ياأيها الناس توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفي ممن سواه).والمتأمل لقول علي بن ابي طالب- رضي الله عنه- يجد أنه يربط بين التوكل والثقة واليقين بالله وإلا فلا توكل مالم يكن معه يقين.وورد ان ام المؤمنين زينب وعائشه-رضي الله عنهما-انهما تفاخرتا,فقالت زينب:(زوجني الله وزوجكن أهاليكن,وقالت عائشه:نزلت براءتي من السماء في القرآن,فسلمت لها زينب ثم قالت:كيف قلتِ حين ركبتِ راحلة صفوان بن المعطل؟قالت:حسبي الله ونعم الوكيل.قالت زينب:قلتِ كلمة المؤمنين)
وعن سفيان الثوري-رضي الله عنه-يقول في قوله تعالى{إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}[28] قال:( أن يحملهم على ذنب لايغفر),قال الأمام الصابوني-رحمه الله-:(أي ليس له تسلط وقدرة على المؤمنين بالإغواء والكفر لإنهم في كنف الرحمن ويعتمدون على الله فيما نابهم من شدائد,إنما تسلطه وسيطرته على الذين يطيعونه ويتخذونه لهم ولياً).
وذكر ابي قدامة الرملي قال:(قرأ رجل هذه الآية(وتوكل على الحي الذي لايموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً)[29]فاقبل على سليمان الخواص,فقال:ياأبا قدامة ماينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله في أمره,ثم قال:كيف قال الله تبارك وتعالى{وتوكل على الحي الذي لايموت} فأعلمك أنه لايموت,وأن جميع خلقه يموتون,ثم أمرك بعبادته,فقال{وسبح بحمده},ثم أخبرك أنه خبير بصير,ثم قال:والله ياأبا قدامة لو عامل عبد الله بحسن التوكل,وصدق النية له بطاعته,لاحتاجت إليه الأمراء فمن دونهم,فكيف يكون هذا محتاجاً,ومؤلمه وملجؤه إلى الغني الحميد).
قال إبن كثير-رحمه الله-في تفسير هذه الآية:({وتوكل على الحي..}أي في أمورك كلها كن متوكلا على الله الحي الذي لايموت أبدا الدئم الباقي,رب كل شيء ومليكه,اجعله ذخرك وملجأك).
وقال أحد السلف:(توكل على الله حتى يكون جليسك وأنيسك,وموضع شكواك وأكثرذكر الموت حتى لايكون لك جليس غيره,واعلم أن الشفاء لما نزل بك كتمانه,وان الناس لاينفعونك ولايضرونك ولا يعطونك ولايمنعونك).
وقال آخر:(لاتعمل عملا تريد به غير الله,فيجعل الله ثوابك على المذلات,ولا تتكلن على غير الله,فيكلك الله إلى من
اتكلت عليه.[30]
وقيل لحاتم الأصم:(على مابنيت أمرك في التوكل,قال:على خصال أربعة علمت ان رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت به نفسي وعلمت ان عملي لايعمله غيري فأنا مشغول به وعلمت ان الموت يأتي بغتة فأنا أبادره وعلمت اني لاأخلوا من عين الله فأنا مستحي منه).
وعن يحيى بن معاذ الرازي قال:(من طلب الفضل من غير ذي الفضل غرم وخسر وأن ذا الفضل هو الله سبحانه وتعالى قال تعالى{ان الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لايشكرون}[31]
وكلام السلف وأحوالهم في التوكل على الله أكثر بكثيرمن ذلك والقارئ لسيرهم يجدهم خير من يقتدى بهم بعد أنبياءالله ورسله عليهم السلام.


*المبحث الرابع-أهمية التوكل على الله:
لايخفى من خلال ما سبق ذكره من آيات وأحاديث وأقوال السلف,مايتبين من خلاله أهمية التوكل على الله ومنزلته العظيمة عند الله بين سائر العبادات, يقول إبن القيم الجوزية-رحمه الله-في بيان مدى أهميتة ذلك: (التوكل نصف الدين والنصف الثاني الأنابة,فإن الدين استعانة وعبادة؛والأنابة هي العبادة. ومنزلته: أوسع المنازل وأجمعها,ولاتزال معمورة بالنازلين,لسعة متعلق التوكل,وكثرة حوائج العالمين,وعموم التوكل,ووقوعه من المؤمنين والكفار,والأبراروالفجار,والطيروالوحش والبهائم,فأهل السموات والأرض-المكلفون وغيرهم-في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم..)[32]
وكذلك يقول الشيخ إبن عثيمين-رحمه الله-: (والتوكل نصف الدين ولهذا نقول في صلاتنا{إياك نعبد وإياك نستعين}[33]؛فنطلب من الله العون اعتماداً عليه سبحانه بإنه سيعننا على عبادته,وقال تعالى{فأعبده وتوكل عليه}[34]وقال تعالى{عليه توكلت وإليه أنيب}[35] ولايمكن تحقيق العبادة إلا بالتوكل؛لأن الإنسان لو وكل إلى نفسه وكل إلى ضعف وعجز,ولم يتمكن من القيام بالعبادة؛فهو حين يعبد الله يشعرأنه متوكل على الله,فينال بذلك أجر العبادة وأجرالتوكل,ولكن الغالب عندنا ضعف التوكل وأننا لانشعرحين نقوم بالعبادة أو العادة بالتوكل على الله والإعتماد عليه في أن ننال هذا الفعل,بل نعتمد في الغالب على الأسباب الظاهرة وننسى ماوراء ذلك؛فيفوتنا ثواب عظيم ووهو ثواب التوكل,كما اننا لانوفق إلى حصول المقصود كما هو الغالب,سواء حصل لنا عوارض توجب انقطاعها او عوارض توجب نقصها).[36]
وقد ذكر شيخ الأسلام إبن تيميه-رحمه الله- بإن التوكل على الله يجمع بين هذين الأصلين- وهما العباده والأستعانه- فقال:(وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع كقوله تعالى{إياك نعبد وإياك نستعين}وقوله تعالى{فاعبده وتوكل عليه}فالعبادة له والأستعانة به,وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الأضحية(اللهم منك ولك))[37].قال الشيخ عبد الرحمن البراك-حفظه الله-:(وهذه الآية تضمنت أنواع التوحيد الثلاثة:
أما توحيد الربوبية فيدل عليه قوله{إياك نستعين}فإفراده بالإستعانة دليل على أنه هو الذي بيده التدبيروالخلق وحده,وأنه المالك لكل شيء.
وأما توحيد العبادةوالإلهية فيدل عليه قوله تعالى{إياك نعبد}فهو سبحانه المستحق للعباده وحده دون سواه.
وأما توحيد الأسماء والصفات فوجه دلالة الآية عليه,أنه مادام هو المعبود وحده دون من سواه فلابد أن يكون ذلك منعوتاً بأكمل النعوت ومسمى بالأسماء الحسنى.فيوحد الله تعالى بالعبادة والأستعانة,وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول عند الأضحية: (اللهم منك ولك)فقوله: منك, يدل على الربوبية وقوله:لك, يدل على العبودية والألوهية والإخلاص.فما لم يكن بالله لايكون لإنه لاحول ولا قوة إلا بالله,وما لم يكن لله لاينفع ولايدوم).[38]
ومماسبق ذكره من كلام أئمتنا الأعلام يتبين لنا مدى أهمية التوكل على الله وشموله لعبادات القلب والجوارح بل وأنواع التوحيد الثلاثة المأمورين بتوحيد الله بها.

*المبحث الخامس- أقسام التوكل من حيث المتوكل عليه:
قسم الشيخ محمد بن صالح العثيمين-رحمه الله- في شرحه لكتاب التوحيد التوكل من حيث المتوكل عليه إلى ثلاثة أقسام:
الأول- توكل عبادة وخضوع,وهو الإعتماد المطلق على من توكل عليه,بحيث يعتقد أن بيده جلب النفع ودفع الضر؛فيعتمد عليه إعتماداً كاملاً,مع شعوره بافتقار إليه؛فهذا يجب إخلاصه لله تعالى,ومن صرفه لغير الله؛فهو مشرك شركاً أكبر؛كالذين يعتمدون على الصالحين من الأموات والغائبين,وهذا لايكون إلا ممن يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون,فيعتمد عليهم في جلب المنافع ودفع المضار.
الثاني- الإعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك,وهذا من الشرك الأصغر,مثل إعتماد كثيرمن الناس على وضيفته في حصول رزقه,ولهذا تجد الإنسان يشعرمن نفسه أنه معتمد على هذا إعتماد افتقار؛فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق عنده ماهو ظاهر؛فهو لم يعتقد أنه مجرد سبب,بل جعله فوق السبب.
الثالث- أن يعتمد على شخص فيما يفوض إليه التصرف فيه,كما لو وكلت شخصاً في بيع شيء وشرائه,وهذا لاشيء فيه؛لإنه اعتمد عليه وهو يشعر أن المنزلة العليا له فوقه؛لإنه جعله نائبا عنه,وقد وكل الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-أن يذبح مابقي من هديه,ووكل أبا هريرة-رضي الله عنه- على الصدقة,ووكل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية,وهذا بخلاف القسم الثاني لإنه يشعر بالحاجه إلى ذلك,ويرى إعتماده على المتوكل عليه إعتماد إفتقار.[39]

*المبحث السادس- مراتب الناس في التوكل على الله وأفضل هذه المراتب:
ورغم أهمية التوكل إلا أن الناس ليسوا بمرتبة واحدة في توكلهم على الله فأصحابهاعلى مراتب:
أولها- أوليائه وخاصته يتوكلون عليه في حصول مايرضيه منهم وفي أقامته في الخلق,ويتوكلون عليه في الإيمان ونصرة دينه,وإعلاء كلمته,وجهاد أعدائه,وفي محابه وتنفيذ أوامره.
ثانياً- من يتوكل عليه في أستقامته في نفسه,وحفظ حاله مع الله,فارغاً عن الناس.
ثالثاً- من يتوكل عليه في معلوم يناله منه,من رزق أو عافية,او نصر على عدوه,أو زوجة أو ولد,ونحوذلك.
رابعاً- من يتوكل عليه في حصول مالايحبه ولايرضاه من الظلم والعدوان وحصول الإثم والفواحش,فإن أصحاب هذه المطالب لاينالونها غالباً إلا باستعانتهم بالله,وتوكلهم عليه؛بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات؛ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم,ويظفرهم بمطالبهم.
وأفضل هذه المراتب: التوكل في الواجب- واجب الحق,وواجب الخلق,وواجب النفس- وأوسعه وأنفعه: التوكل في التأثيرفي الخارج في مصلحة دينية,أو في دفع مفسدة دينيه,وهو توكل الأنبياء في أقامة دين الله,ودفع فساد المفسدين في الأرض,وهذا توكل ورثتهم,ثم الناس بعد في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم.فمن متوكل عليه في حصول الملك,ومن متوكل في حصول رغيف.
ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله.فإن كان محبوباً له مرضياً كانت له العاقبة المحمودة,وإن كان مسخوطاً مبغوضاً كان ماحصل له بتوكله مضرة عليه,وإن كان مباحاً حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ماتوكل فيه إن لم يستعن به على طاعته.[40]

*المبحث السابع- لوازم تحقيق التوكل على الله:
إن تحقيق التوكل على الله على الوجه الذي يرضاه منا, لابد له من إستكمال درجات ثمان لايكتمل مقام التوكل إلا بها وهي:
الأولى- معرفة الرب سبحانه بصفاته من قدرته,وكفايته,وقيوميته,وانتهاء الأمور إلى علمه,وصدورها عن مشيئته وقدرته,وهذه المعرفة أول درجة يضع العبد قدمه في مقام التوكل.
وهذا المقام لايصدرمن فيلسوف,ولا من القدرية النفاة القائلين: بإنه يكون في ملكه مالايشاء.ولامن الجهمية النفاة لصفات الرب جل جلاله,ولايستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات,فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف,كان توكله أصح وأقوى.
الثانيه- إثبات في الأسباب والمسببات. فإن من نفاها فتوكله مدخول,فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب,ويندفع بها المكروه. فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل؛ولكن من تمام التوكل: عدم الركون إلى الأسباب,وقطع علاقة القلب بها؛فيكون حال قلبه قيامه بالله لابها,وحال بدنه قيامه بها.
الثالثه- رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل. فإنه لايستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده,بل حقيقة التوكل:توحيدالقلب؛ فما دامت فيه علائق الشرك,فتوكله معلول مدخول.وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل؛فإن العبد متى إلتفت إلى غير الله نقص توكله.
الرابعه- اعتماد القلب على الله,واستناده إليه,وسكونه إليه. بحيث لايبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب,ولا سكون إليها؛بل يخلع السكون من قلبه,ويلبسه السكون إلى مسببها,وعلامته هذا: أنه لايبالي بإقبالها وإدبارها,ولايضطرب قلبه,ويخفق عند إدبار مايحب منها,وإقبال مايكره؛لإن اعتماده على الله,وسكونه إليه,واستناده إليه,قد حصنه من خوفها ورجائها.
الخامسه- حسن الظن بالله عزوجل. فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه؛ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله,إذ لايتصور التوكل على من ساء ظنك به,ولاالتوكل على من لا ترجوه.
السادسه- استسلام القلب له,وانجذاب دواعيه كلهاإليه,وقطع منازعاته. كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده,وانقياده له,وترك منازعات نفسه,وإرادتها مع سيده.
السابعه- التفويض. وهو روح التوكل ولبه وحقيقته,وهوإلقاء أموره كلها إلى الله وإنزالها به طلباً واختياراً لا كرهاً واضطراراً.
الثامنه- الرضى. وهي ثمرة التوكل,ومن فسرالتوكل بها فإنما فسره بإجل ثمراته,وأعظم فوائده؛فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله.
فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل,وتثبت قدمه به.[41]بإذن الله تعالى...








الفصل الثاني:-

*المبحث الأول- تعريف التواكل.

*المبحث الثاني- ماينافي التوكل.

*المبحث الثالث- الفرق بين التوكل والتواكل.

*المبحث الرابع- فضائل وفوائد التوكل على الله .

*المبحث الخامس - موقف بعض الفرق المخالفه لإهل السنة والجماعة من التوكل على الله.








الفصل الثاني:-
*المبحث الأول- تعريف التواكل:
إن معنى التواكل يأتي مخالف للتوكل الصحيح على الله,فكما عرفنا في السابق أن التوكل على الله الأعتماد الصادق على الله-سبحانه وتعالى-في حصول المطلوب ودفع المكروه والأخذ بالأسباب,فيأتي ماهوضده وهو التواكل: بأن يعتمد الشخص على الله إعتماداًُ ظاهراً دون العمل والأخذ بالأسباب.
فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأموربها عجز,فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزاَ ولاعجزه توكلاً,بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لايتم المقصود إلا بها.[42]

*المبحث الثاني- ماينافي التوكل:
بعد ذكرنا في الفصل السابق أقسام التوكل, واللوازم التي بفعلها تستكمل بها درجة التوكل,وعرفنا مماسبق ذكره أن السبب المأمورأو المباح لاينافي وجوب التوكل على الله في وجودالسبب,بل الحاجة إلى الله ثابتة مع فعل السبب,إذ ليس في المخلوقات ماهو وحده سبب تام لحصول المطلوب,فمن ظن الإستغناء بالسبب عن التوكل فقد ترك ماأوجب الله عليه من التوكل,وأخل بواجب التوحيد,فإن الله وحده القادر على الرزق وغيره ممايسعى إليه العبد في معاشه يقول تعالى{مايفتح الله للناس من رحمةٍ فلا ممسك لها ومايمسك فلا مرسل له من بعدهِ وهو العزيزالحكيم}[43]
ومقابل ذلك من أخذ بالتوكل تاركاً لما أمر الله به من أسباب,فهو أيضاً ظالم جاهل عاص لله بترك ماأمره,فإن فعل المأمور به عبادة لله,فقدقال تعالى{فأعبده وتوكل عليه}[44]
فلا بد من التوكل على الله والعمل بالأسباب,فليس من فعل شيئاً أمربه من الأسباب وترك التوكل على الله بأعظم ذنباً ممن فعل التوكل وترك الأسباب المأموربها,إذ كلاهما مخلٌ ببعض ماأوجب عليه.
وفد قضى الرسول صلى الله عليه وسلم بين رجلين فقال المقضي عليه:حسبي الله ونعم الوكيل,فقال صلى الله عليه وسلم(إن الله يلوم على العجز,ولكن عليك بالكيسِِِِِِ,فإن غلبك أمرفقل:حسبي الله ونعم الوكيل)[45]
وقال صلى الله عليه وسلم(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف,وفي كلٍ خير,أحرص على ماينفعك,واستعن بالله ولاتعجز,فإن أصابك شيء فلا تقل لوأني فعلت كذا لكان كذا وكذا,ولكن قل قدرالله وماشاء فعل,فإن لو تفتح عمل الشيطان)[46],فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتسبب المأموربه,وهو الحرص على المنافع,وأمر مع ذلك بالتوكل وهوالإستعانه بالله فمن أكتفى بأحدهما فقد جاء بما ينافي التوكل الصحيح.[47]
وقد لبس على قوم يدعون التوكل فخرجو بلا زاد,وضنوا أن هذا هو التوكل فقد ورد أن رجلاً قال للأمام أحمدبن حنبل-رحمه الله-:(أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل من غير زاد,فقال له الأمام أحمد:فاخرج من غيرالقافلة.قال:لا إلامعهم,فقال له:فعلى جراب الناس توكلت).[48]
ومما يجدرذكره في هذا المقام ايضاً مجئ أقوام آخرين جاءوا بماينافي التوكل بل ووقعوا في الشرك وذلك حين وقعوا في الطيرة والتشائم وذلك بصرف قلوبهم عن الله وعن حسن الإعتماد عليه وعن القيام بماهو مشروع من الأسباب .لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم هذه الأعمال:(الطيرة من الشرك ولكن الله يذهبها بالتوكل)[49] ويدخل في ذلك ايضاً إعتماد البعض من الناس على الأخذ بالأسباب المباحه-كالإسترقاء والإكتواء- والإعتماد عليها إعتماداً كلياً يوحي بأنها هي المؤثره في ذاتها كما بينت في مبحث أقسام الناس من حيث المتوكل عليه.

*المبحث الثالث- الفرق بين التوكل والتواكل:
لقد تبين لنا التوكل الصحيح وماينافيه ولوقمنا بمفارقة بينهما نجد أن المتوكل على الله واثقاً مطمئنناً بالله قد صرف قلبه لله وحده دون أن يشرك معه أحد من خلقه وعمل بالأسباب مع حسن الأعتماد على الله مسلماً أمره إلى الله ومفوضاً له جميع أموره ونجده عابدا ًلله راضياً بقضائه وقدره محسن الظن بربه.
ونجد المتواكل قد أشتبه عليه ذلك فيشتبه التفويض عنده بالإضاعة فيضيع العبد حظه,ظناً منه أن ذلك تفويض وتوكل,وإنما هو تضييع لاتفويض,وكذلك يشتبه عنده التوكل بالراحة وإلقاء حمل الكل,فيظن صاحبه أنه متوكل,وإنما هو عامل على عدم الراحة,ومعنى ذلك:أن المتوكل مجتهد في بذل الأسباب المأمور بها غاية الأجتهاد,مستريح من غيرها لتعبه بها,والمتواكل العامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ماتندفع به الضرورة,وتسقط به عنه مطالبة الشرع.
وكذلك اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها,فخلعها توحيد وتعطيلها إلحاد وزندقة فخلعها عدم اعتماد القلب عليها,ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها,وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح.
وكذلك اشتباه الثقة بالله بالغروروالعجزوالفرق بينهما:أن الواثق بالله قد فعل ماأمره الله به ووثق بالله في طلوع ثمرته,وتنميتها كغارس الشجرة وباذرالأرض,والمغتر العاجزفرط فيما أمره به وزعم أنه واثق بالله,والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود.
ومن ذلك إشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه بالطمأنينة إلى المعلوم,وسكون القلب إليه,ولا يميز بينهم إلى صاحب البصيرة,كما يذكر عن أبي سعيد الدارمي-رحمه الله-:أنه رأى رجلاً بمكة لا يتناول شيئاً إلا شربة من ماء زمزم,فمضى عليه أيام؛فقال له أبو سليمان:أرأيت لوغارت زمزم أي شيء كنت تشرب؟فقام وقبل رأسه,وقال:جزاك الله خيراً,حيث أرشدتني,فأني كنت أعبد زمزم منذ أيام,ثم تركه ومضى,وأكثر المتواكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم وهم يظنون أنه إلى الله,وعلامة ذلك:أنه متى أنقطع معلوم أحدهم حضره همه وبثه وخوفه؛فعلم أن طمأنينتة وسكونه لم يكن إلى الله.
وكذلك إشتباه العلم بالتوكل بحال التوكل,فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته وتفاصيله,فيظن أنه متوكل,وليس من أهل التوكل بل نجده في أحواله متواكل,فحال التوكل:أمر آخر من وراء العلم به,وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها,وحال المحب وراء ذلك,ومعرفة علم الخوف,وحال الخائف وراء ذلك,وهوشبيه بمعرفة المريض بماهية الصحةوحاله بخلافها.[50]
ومن خلال ماسبق تبين لنا الفرق بين التوكل والتواكل لنكون بذلك على بينة منه فلا يشتبه علينا شيء منهما فنعرف الصواب ونسلكه ونعرف مادونه ونتجنبه .




*المبحث الرابع:من فضائل وثمرات التوكل على الله:
- إن في التوكل على الله دليل على صحة الإسلام قال تعالى{قال موسى ياقوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين}[51]فكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى وإذا ضعف الإيمان ضغف التوكل[52].ويقول في ذلك التابعي الجليل سعيد إبن المسيب-رحمه الله-:(التوكل جماع الإيمان).[53]
- إن التوكل على الله فريضة يجب الإخلاص فيها,فهي من أجمع أنواع العباده وأعظمها,لما ينشأ عنها من الأعمال الصالحه.
- أنه لا يحصل التوحيد بإنواعه الثلاثه إلا بكمال التوكل على الله كما قال تعالى{إياك نعبد وإياك نستعين}[54]
- أن الله عزوجل كثيرمايجمع في كتابه بين التوكل والعباده وبين التوكل والإيمان وبين التوكل والتقوى وبين التوكل والإسلام وبين التوكل والهداية فظهر ان التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الأسلام,وأن منزلته منها كمنزلة الجسد من الرأس,فكما لايقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لايقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.[55]
- أنه من أعظم الأسباب لجلب الرزق كماقال صلى الله عليه وسلم(لوأنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا)[56]-[57].
- أن في التوكل على الله إعانة على العمل الصالح والقرب من الله, وهذا أحب التوكل على الله ماكان فيه قرب لله بفعل ماأمر وإجتناب مانهى.
ولهذا روي أن حملة العرش إنما أطاقوا حمل العرش بقولهم لاحول ولا قوة إلا بالله.
- أن التوكل سمة وصفة إتصف بها الأنبياء في صدق توكلهم وإعتمادهم على الله[58].
يقول شيخ الإسلام إبن تيميه-رحمه الله-في قول يوسف عليه السلام{ربِ السجن أحب إلي ممايدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن وأكن من الجاهلين}[59]قال:(فهو طلب الله ودعاه أن يثبت قلبه على دينه ويصرفه إلى طاعته, ففي

هذا توكل على الله وإستعانة به أن يثبت القلب على الإيمان والطاعة).[60]
فهذه بعض من فضائل التوكل وثمراته التي لاتعد ولاتحصى ولاعجب من ذلك فهي عباده جليله تترتب عليها فوائد كثيره.

*المبحث الخامس- موقف بعض الفرق المخالفه لأهل السنة والجماعة من التوكل:
لقد ضلت فرق كثيره في التوكل على الله,فهي لم تضل فقط في أنها أخلت في التوكل كما سبق ذكره ممن يعتمدون على التوكل ويتركون العمل بالأسباب,أو أخذت بالأسباب دون التوكل على الله,بل أن التوكل في حقهم منتفي,فمن هؤلاء فرقة المعتزله القدريه التي تنفي صفات الله عزوجل ولاتثبتها له سبحانه فالتوكل في حقهم منتفي لأنهم يقولون:أن العبد مستقل بعمله والله ليس له تصرف في أعمال العباد.
ويقول شيخ الأسلام إبن تيميه-رحمه الله-:(ولا يكون للمعطلة أن يتوكلو على الله ولا للمعتزلة القدريه. لأن المعطلة يعتقدون انتفاء الصفات عن الله تعالى,والأنسان لا يعتمد إلاعلى من كان كامل الصفات المستحقة لأنه يعتمد عليه,وكذلك القدريه معنى كلامهم أن العبد مختص بفعل نفسه فلا يلزمه دعاء الله عزوجل في أن ييسرله مايريدالقيام بفعله ولا أن يعتمد على الله ويكل أمره إليه).[61]
وكذلك من الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة في التوكل على الله الصوفية,فقد ابتدعت مفهوم آخر للتوكل وعملت به, ومن أحوالهم في التوكل مايقوله أحدهم:لو توكلنا على الله تعالى مابنينا الحيطان ولاجعلنا لباب الدارغلقاً مخافة اللصوص.
ويقول آخر سألت أبا يعقوب الزيات عن مسألة في التوكل فأخرج درهماً كان عنده ثم أجابني,فأعطى التوكل حقه ثم قال:أستحييت أن أجيبك وعندي شيء.
وجاء رجل إلى عبد الله بن الجلاء فسأله عن مسألة في التوكل وعنده جماعته فلم يجبه ودخل البيت فأخرج إليهم صرة فيها مال فقال أشتروا بهذا شيئاً,ثم أجاب الرجل عن سؤاله,فقيل له في ذلك فقال:استحييت من الله تعالى أن أتكلم في التوكل وعندي مال.
وقد رد عليهم الأمام أبي الفرج الجوزي-رحمه الله- فقال:(لوعرفوا ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد,وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب لا إدخارالمال,فقد قال تعالى{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما}[62]أي قواماً لأبدانكم,وقال صلى الله عليه وسلم(إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)[63].واعلم أن الذي أمر بالتوكل أمر بأخذ الحذر,فقال تعالى{خذواحذركم}[64]
وقال{وأعدوا لهم ماأستطعتم من قوة}[65]وقد ظاهر رسول الله بين درعين وشاور طبيبين واختفى في الغار).[66]
ومن ثما نعرف أن طريق السلف هوخير الطرق,وبه تكمل جميع العبادات وتتم به جميع أحوال العابدين.[67]

*أهم لأستنتاجات في التوكل على الله والتواكل عند أهل السنة والجاعة:-
1- التوكل على الله من العبادات القلبيه تصرف لله وحده,ولابد فيها من الأخلاص.
2- من التوحيد التوكل على الله فالمتوكل يقصد الله وحده في تحصيل مايسعى إليه من خير الدنيا والأخرة ويستعين به.
3- من كان صادقاً في توكله على الله كان راضياً بقضاء الله وقدره مطمئناً واثقا ًبه سبحانه.
4- أن المتوكل ينال من الأجر بقدر صدق توكله وصحته فالتوكل على الله درجات ولتحقيقه لابد من هذه الدرجات.
5- ليس كل من عرف التوكل على الله بشروطه وتفاصيله كان عاملاً بالتوكل كماذكرإبن القيم الجوزيه-رحمه الله-.
6- أن للتوكل منزلة عظيمة عند الله أمر بها ومدح أصحاب هذه المنزلة فمن أسماءه سبحانه الوكيل وكثير مايقرن سبحانه بين التوكل ومراتب الدين والتوكل عليه من أعظم القربات إليه.
7- إنتفاء الإيمان عند إنتفاء التوكل فن لا توكل له لاإيمان له قال تعالى{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنون}[68]
8- التوكل ضد التواكل فكل ماشمل عليه التوكل من أمورفالتواكل ضده.
9- التوكل على الله والعمل بالأسباب متلازمان فلا يستغنى بواحد منهما دون الآخر.
10- ظهوربعض الفرق الضاله التي ضلت في معنى التوكل على الله والعمل بالأسباب, مخالفين بذلك النصوص الصريحة الواردة في كتاب الله وسنة رسوله الدالة على أهمية التوكل ومفارقين بطريقتهم تلك ماعليه أهل السنة والجماعة من الفهم الصحيح لتلك النصوص والعمل الموافق لها ولما عليه سلف الأمة الصالح وخيارهم.

وصلى اللهم وسلم على خير الأمة نبينا محمد وصحابته اجمعين...










المراجع
1- القرآن الكريم.
2- تزكية النفوس كما يقررها علماء السلف ابن رجب الحنبلي,ابن القيم الجوزيه,ابي حامد الغزالي,جمع وتربيب د.أحمدفريد,ت/ماجدالجليل,دارالقلم(بيروت,ط 1405,1هـ )
3- تلبيس إبليس,للحافظ جمال الدين ابي الفرج الجوزي,ت/السيد جميلي,دارالكتاب العربي(بيروت,ط1409,1).
4- التوكل على الله,للحافظ إبن أبي الدنيا,ت/مجدي إبراهيم,مكتبة القرآن(القاهرة,ط 1)
5- التوكل على الله والأخذبالأسباب,لتقي الدين أحمدإبن تيميه.
6- رسالة في تحقيق التوكل, لشمس الدين ابي عبدالله ابن القيم الجوزيه.
7- زاد المعاد في هدي خير العباد, , لشمس الدين ابي عبدالله ابن القيم الجوزيه.
8- شرح الرسالة التدمريه,لعبدالرحمن بن ناصرالبراك,أعداد/سليمان الغصن,كنوزإشبيليا(المملكة العربية السعودية,ط1425,1).
9- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد,لعبدالرحمن آل الشيخ,ت/عبدالعزيز بن باز,دار السلام(الرياض,ط1414,1).
10- القول المفيدعلى كتاب التوحيد,لمحمدبن صالح آل عثيمين,دارابن الجوزي(المملكة العربية السعوديه,ط1424,2).
11- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبدوإياك نستعين,لشمس الدين ابن القيم الجوزية,دارطيبة(الرياض,ط1425,2).
12- مجموع الفتاوى,لتقي الدين أحمد بن تيمية,ت/عامر الجزار-أنور الباز,دار الوفاء(مصر,ط1426,3).
13- مكارم الأخلاق,لتقي الدين أحمدابن تيميه,ت/عبدالله بدران-محمدعمرالحاج,المكتبه العصريه(بيروت,ط1423,1).

[1] - أنظر: مدارج السالكين لإبن القيم الجوزيه(2/354-355).

[2] - أنظر: القول المفيد على كتاب التوحيدلإبن عثيمين(2/87).

[3] - سورة هود:(123).

[4] - سورة الأنفال:(2).

[5] سورة المائدة:(23).

[6] - سورة آل عمران:(159).

[7] - سورة النمل:(79).

[8] - سورةإبراهيم:(12).

[9] - سورة آل عمران:(173).

[10] - سورة الممتحنه:(4).

[11] - سورة الطلاق:(3).

[12]- رواه مسلم.

[13] - أنظر:مكرم الأخلاق لإبن تيميه(231).

[14] - رواه مسلم.

[15] - رواه الترمذي.

[16] - رواه ابو داود.

[17] - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال لعلاء الدين الهندي

[18] - رواه البخاري ومسلم.

[19] - أنظر: زاد المعادلإبن القيم الجوزية(2/496).

[20] - رواه البخاري.

[21] - أنظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لسليمان آل الشيخ(312).

[22] - أنظر: رسالة في تحقيق التوكل لإبن القيم(89).

[23] - أنظر التوكل على الله والأخذ بالأسباب:لإبن تيميه(22).

[24] - أنظر: تلبيس إبليس لإبن الجوزي(345).

[25] - المستدرك على الصحيحين للحاكم

[26] - صحيح ابن حبان

[27] - أنظر:القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين(2/88).

[28] - سورة النحل:(99).

[29] - سورة الفرقان:(58).

[30] -أنظر: التوكل على الله لابن أبي الدنيا(39-48-49-62-63).

[31] - سورة البقرة:(243).

[32] - أنظر:مدارج السالكين لابن القيم الجوزيه(2/351).

[33] - سورةالفاتحة:(5).

[34] - سورة هود:(133).

[35] - سورة هود(88).

[36] - أنظر: القول المفيد على كتاب التوحيد لإبن عثيمين(2/88).

[37]- أخرجه ابو داود في سننه.

[38] - أنظر:شرح الرسالة التدمريه لعبدالرحمن البراك(534).

[39] - أنظر:القول المفيد على كتاب التوحيدلإبن عثيمين(2/89_90).

[40] - أنظر:مدارج السالكين لإبن القيم(2/352-353).

[41] - أنظر:مدارج السالكين لإبن القيم(2/359إلى367)بتصرف.

[42] - شتكة مشكاة الأسلام:التوكل على الله لخالد الشايع.

[43] - سورة فاطر:(2).

[44] - سورة هود:(123).

[45] - رواه أبو داود.

[46] - رواه مسلم.

[47] - ينظر:مكارم الأخلاق لإبن تيميه(232-233-234)بتصرف.

[48] أنظر تلبيس إبليس لإبن الجوزي(178).

[49] - صحيح ابن حبان

[50] - أنظر مدارج السالكين لإبن الفيم(369-370-371).

[51] - سورة يونس:(14).

[52] - أنظر:فتح المجيد(308).

[53] - أنظر: تزكية النفوس لد.أحمد فريد(99).

[54] - سورة الفاتحه:(5).

[55] - أنظر:فتح المجيد(308).

[56] - رواه الترمذي.

[57] - أنظر:تزكية النفوس(98).

[58] - أنظر:مكارم الأخلاق لإبن تيميه(239).

[59] - سورة يوسف)33).

[60] - أنظر:مجموع الفتاوى لإبن تيميه(15/130).

[61] - ينظر:القول المفيد على كتاب التوحيدلأبن عثيمين(2/90).

62- سورة النساء(5).

63- رواه البخاري.

64- سورة النساء(71)

65 - سورة الأنفال(60).

66- أنظر: تلبيس إبليس لإبن الجوزي(341).

67- ينظر:القول المفيد على كتاب التوحيدلأبن عثيمين(2/90).

68- سورة المائدة(23).
طالبةعقيده غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 11:44 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir