أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم العقيدة ::. > الملتقى العلمي لدراسة العقيدة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-Oct-2008, 12:51 PM   #1
عضو مؤسس
افتراضي حِكمةُ خلقِ الجنِّ والإنسِ

إن الحمدلله،نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،من يهده الله فلا مضل له،ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً،أما بعد:
فإن الله-تعالى-قد خلق الجن والإنس لحكمة عظيمة،وغاية مجيدة،وهي عبادته وحده لا شريك له.
قال الماوردي-رحمه الله-:"اعلم أن الله-سبحانه وتعالى-إنما كلف الخلق متعبَّداته،وألزمهم مُفْتَرَضاته،وأرسل إليهم رسله،وشرع لهم دينه لغير حاجة دعته إلى تكليفهم،ولا ضرورة قادته إلى تعبدهم،وإنما قصد نفعهم؛تفضلاً منه عليهم كما تفضل بما لايحصى عداً من نعمه،بل النعمة في ما تعبدهم به أعظم؛لأن نفع ما سوى المتعبدات مختصٌّ بالدنيا العاجلة،ونفع المتعبدات يشتمل على نفع الدنيا والآخرة،وما جَمَع نفعَي الدنيا والآخرة كان أعظمَ نعمةً،وأكثرَ تفضلاً"ا.هـ.
"أدب الدنيا والدين"ص94.
وقد دل على ذلك الأدلة العامة والخاصة:
أما الأدلة العامة؛فقد أخبر الله-تعالى-أنه خلق الخلق بالحق؛فقال-تعالى-:"وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحقوَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ" ،وقال-تعالى-:"وَمَا خَلَقْنَاالسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلابِالْحَقِّ"،وقال-تعالى-:"أَوَلَمْيَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا إِلابِالْحَقِّوَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّكَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَوقال-تعالى-:"مَا خَلَقْنَاالسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلابِالْحَقِّوَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّاأُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ".
واختلف في المراد بقوله:"بالحق"على قولين:
القول الأول:إن المعنى:وهو الذي خلق السماوات والأرض حقاً وصواباً لا باطلاً وخطأً كما قال-تعالى-:"وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً"،فهو الذي خلق الخلق"خلقاً صادراً عن الحق،آيلاً إلى الحق،مشتملاً على الحق؛فالحق سابق لخلقها،مقارن له،غاية له،ولهذا أتى بالباء الدالة على هذا المعنى دون اللام المفيدة لمعنى الغاية وحدها؛فالباء مفيدة معنى اشتمال خلقها على الحق السابق والمقارن والغاية:
فالحق السابق صدور ذلك عن علمه وحكمته؛فمصدر خلقه-تعالى-وأمره عن كمال علمه وحكمته،وبكمال هاتين الصفتين يكون المفعول الصادر عن الموصوف بهما حكمةً كله،ومصلحة وحقاً؛ولهذا قال-تعالى-:"وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم"؛فأخبر أن مصدر التلقي عن علم المتكلم وحكمته،وما كان كذلك كان صدقاً وعدلاً وهدى وإرشاداً،وكذلك قالت الملائكة لامرأة إبراهيم حين قالت:"أألد وأنا عجوز عقيم"قالوا:"كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم"،وهذا راجع إلى قوله،وخلقه،وهو خلق الولد لها على الكبر.
وأما مقارنة الحق لهذه المخلوقات فهو ما اشتملت من الحكم والمصالح والمنافع والآيات الدالة للعباد على الله ووحدانيته وصفاته،وصدق رسله،وأن لقاءه حق لا ريب فيه،ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة بذلك،بل شهادتها أتَمُّ من شهادة الخبر المجرد؛لأنها شهادة حالٍ لا يقبل كذباً،فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقاً حقَّ تأمله إلا وجده دالاً على فاطره وبارئه،وعلى وحدانيته،وعلى كمال صفاته وأسمائه،وعلى صدق رسله،وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه....
وأما الحق الذي هو غاية خلقها فهو غاية تُراد من العباد،وغاية تُراد بهم:
فالتي تراد منهم أن يعرفوا الله-تعالى-،وصفات كماله-عز وجل-،وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً؛فيكون هو وحده إلههم ومعبودهم ومطاعهم ومحبوبهم،قال-تعالى-:"الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً"،فأخبر أنه خلق العالم ليعرف عبادُه كمالَ قدرته، وإحاطةَ علمه،وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده،وقال-تعالى-:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"،فهذه الغاية هي المرادة من العباد،وهي أن يعرفوا ربهم ويعبدوه وحده.
وأما الغاية المرادة بهم فهي الجزاء بالعدل والفضل والثواب والعقاب،قال-تعالى-:"ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى"،وقال-تعالى-:"إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى"،وقال-تعالى-:"ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين"،وقال-تعالى-:"إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون"،فتأمل...كيف اشتمل خلق السموات والأرض وما بينهما على الحق أولاً وآخراً ووسطاً،وأنها خلقت بالحق وللحق وشاهدة بالحق".
"بدائع الفوائد"162-167،وانظر:"شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل"ص253،198،"طريق الهجرتين وباب السعادتين"ص364،"مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"ص201.
قالوا:وأدخلت فيه الباء و الألف واللام كما تفعل العرب في نظائر ذلك؛فتقول:"فلان يقول بالحق"أي:يقول الحقَّ،وهو إصابة الصواب فيه،لا أن الحق معنى غير القول،وإنما هو صفةٌ للقول.
القول الثاني:إن المعنى:خلق السماوات والأرض بكلامه وقوله لهما:"ائتيا طوعاً أو كرهاً"لقوله-تعالى-بعد ذلك:"ويوم يقول كن فيكون قوله الحق".
انظر:"جامع البيان عن تأويل آي القرآن"12/35،"زاد المسير في علم التفسير"6/45،"تفسير القرآن العظيم"4/55.
وأخبر–تعالى-أنه لم يخلق الخلق باطلاً؛فقال عن عباده المؤمنين:"الَّذِينَيَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِيخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَابَاطِلاًسُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"،وقال-تعالى-:"وَمَا خَلَقْنَاالسَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَابَاطِلاًذَلِكَظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ".
وأما الأدلة الخاصة؛فقال-تعالى-:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
وأنكر-تعالى-على من حسب أنه خلقهم عبثاً وسدى؛فقال:"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش العظيم"،وقال-تعالى-:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"،وأصل معنى الترك مفارقة الشيء شيئاً اختيارياً من التارك،ويطلق على إهمال أحدٍ شيئاً،وعدم عنايته بأحواله وبتعهده.
انظر:"التحرير والتنوير"24/66.
وهذا الاستفهام إنكاري يدل على أن هذا الحسبان"مناف لكمال حكمته،وأن ربوبيته وعزته وحكمته تأبى ذلك،ولهذا أخرج الكلام مخرج الإنكار على مَن زعم ذلك،وهو يدل على أن حسنه مستقرٌّ في الفطر والعقول،وقبح تركه سداً معطَّلاً أيضاً مستقرٌّ في الفطر؛فكيف يُنسب إلى الرب ما قبحه مستقرٌّ في فطركم وعقولكم؟!".
"مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"2/78.
قال ابن قيم الجوزية-رحمه الله-:"اعلم أنه لولا التكليف لكان خلق الإنسان عبثاً وسدى، والله يتعالى عن ذلك.
وقد نزه نفسه عنه كما نزه نفسه عن العيوب والنقائص؛قال-تعالى-:"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون"،وقال:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"...
ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملاً معطلاً مضادٌّ للحكمة؛فإنه خُلق لغاية كماله، وكمالُه أن يكون عارفاً بربه محباً له قائماً بعبوديته،قال-تعالى-:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"،وقال:"لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً"،وقال:"ذلك ليعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم"،فهذه المعرفة،وهذه العبودية هما غاية الخلق والأمر،وهما أعظم كمال الإنسان.
والله-تعالى-من عنايته به،ورحمته له عرضه لهذا الكمال،وهيأ له أسبابه الظاهرة والباطنة، ومكنه منها.
ومدار التكليف على الإسلام والإيمان والإحسان،وهي ترجع إلى شكر المنعم كلها دقيقها وجليلها منه،وتعظيمه وإجلاله ومعاملته بما يليق أن يعامل به؛فتذكر آلاؤه وتشكر؛فلا يكفر،ويطاع فلا يعصى،ويذكر فلا ينسى.
هذا مع تضمُّن التكليف لاتصاف العبد بكل خلق جميل،وقيامه بكل فعل جميل،وقول سديد،واجتنابه لك لخلق سيئ،وترك كل فعل قبيح،وقول زور،فتكليفه متضمن لمكارم الأخلاق،ومحاسن الأفعال،وصدق القول،والإحسان إلى الخليقة،وتكميل نفسه بأنواع الكمالات،وهجر أضداد ذلك،والتنزه عنها مع تعريضه بذلك التكليف للثواب الجزيل الدائم،ومجاورة ربه في دار البقاء؛فأي الأمرين أليق بالحكمة هذا أو إرساله هملاً كالخيل والبغال والحمير؛يأكل ويشرب وينكح كالبهائم؟!
أيقتضي كماله المقدس ذلك؟!
-فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم-.
وكيف يليق بذلك الكمال طي بساط الأمر والنهي والثواب والعقاب،وترْك إرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع وتقرير الأحكام؟!
وهل عرف الله من جوَّز عليه خلاف ذلك؟!
وهل ذلك إلا من سوء الظن به؟!
قال-تعالى-:"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ"،فحسن التكليف في العقول كحسن الإحسان والإنعام والتفضل والطوْل،بل هو من أبلغ أنواع الإحسان والإنعام؛ولهذا سمى-سبحانه-ذلك نعمة ومنة وفضلاً ورحمة،وأخبر أن الفرح به خير من الفرح بالنعم المشتركة بين الأبرار والفجار؛قال-تعالى-:"ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً"،فنعمة الله هاهنا نعمته بمحمد-صلى الله عليه وسلم-،وما بعثه به من الهدى ودين الحق،وقال:"لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتنا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"،وقال-تعالى-:"هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"،وقال:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"،وقال:"قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون"،وقال:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً"،وقال:"واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به"،وقال:"واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم"،وقال لرسوله:"وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً"،وهل النعمة والفضل في الحقيقة إلا ذلك وتوابعه وثمرته في القلوب والأبدان في الدنيا والآخرة؟!
وهل في العقول السليمة والفطرة المستقيمة أحسن من ذلك،وأليق بكمال الرب وأسمائه وصفاته؟!"ا.هـ.
"شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل"ص266.
واختلف في المراد بما يترك عليه الإنسان هنا على قولين:
القول الأول:لا يؤمر ولا ينهى في هذه الحياة،وهو قول مجاهد والسدي والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم،واختاره ابن جرير وشيخ الإسلام ابن تيمية.
انظر:"الجامع لأحكام القرآن"15/67،"تفسير القرآن العظيم"4/44،"مجموع الفتاوى"8/52،11/258،16/299،495،17/174.
قال ابن جرير-رحمه الله-:"وقوله:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"يقول-تعالى ذكره-: أيظن هذا الإنسان الكافر بالله أن يترك هملاً أن لا يؤمر ولا ينهى،ولا يتعبد بعبادة،وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:
حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس:"قوله:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"يقول:هملاً".
حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى،وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح عن مجاهد:"قوله:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"قال:"لا يؤمر ولا ينهى".
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"قال السدي:"الذي لا يفترض عليه عمل،ولا يعمل"ا.هـ.
"جامع البيان عن تأويل آي القرآن"20/22.
وقال البغوي-رحمه الله-:""أيحسب الإنسان أن يترك سدى"هملاً لا يؤمر ولا ينهى"ا.هـ.
"معالم التنزيل"4/111.
القول الثاني:لا يبعث؛فيجازَى بعمله في الآخرة.
قال ابن عاشور-رحمه الله-:"قوله:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث،وهو ما ابتدئ به؛فارتبط بقوله:"أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه"،فكأنه قيل:أيحسب أن لن نجمع عظامه،ويحسب أن نتركه في حالة العدم.
وزيد هنا أن مقتضى الحكمة الإلهية إيقاعه بقوله:"أن يترك سدى"....
والمراد بما يترك عليه الإنسان هنا ما يدل عليه السياق،أي:حال العدم دون إحياء مما دل عليه قوله-تعالى-:"أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه"،وقوله:"ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر".
وعدل عن بناء فعل "يترك"للفاعل فبُني للنائب إيجازاً لأجل العلم بالفاعل من قوله السابق:"أن لن نجمع عظامه"؛فكأنه قال:أيحسب الإنسان أن نتركه دون بعث،وأن نهمل أعماله سدى؛فجاء ذكر "سدى"هنا على طريقة الإدماج فيما سبق له الكلام؛إيماء إلى أن مقتضى حكمة خلق الإنسان أن لا يتركه خالقه بعد الموت؛فلا يحييه ليجازيه على ما عمله في حياته الأولى.
وفي إعادة"أيحسب الإنسان"تهيئة لما سيعقبه من دليل إمكان البعث من جانب المادة بقوله:"ألم يك نطفة"إلى آخر السورة.
فقوله:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"تكريرٌ وتعدادٌ للإنكار على الكافرين تكذيبهم بالبعث،ألا ترى أنه وقع بعد وصف يوم القيامة وما فيه من الحساب على ما قدم الإنسان وأخر،ومعنى هذا مثل قوله-تعالى-:"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون"ا.هـ.
"التحرير والتنوير"26/21.
واختار جماعة شمول الآية لهذين القولين؛كما قال"ابن قتيبة:أي:يهمل؛فلا يؤمر ولا ينهى، ولا يعاقب"ا.هـ.
انظر:"زاد المسير في علم التفسير"6/34.
وقال ابن كثير-رحمه الله-:"والظاهر أن الآية تعمُّ الحالين،أي:ليس يترك في هذه الدنيا مهملاً،لا يؤمر ولا ينهى،ولا يترك في قبره سدى،لا يبعث؛بل هو مأمور منهي في الدنيا،محشورٌ إلى الله في الدار الاخرة"ا.هـ.
"تفسير القرآن العظيم"4/76.
وقال الشوكاني-رحمه الله-:"قوله:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"أي:هملاً؛لا يؤمر ولا ينهى،ولا يحاسب ولا يعاقب"ا.هـ.
"فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير"5/480.
وقال البيضاوي-رحمه الله-:"قوله:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"مهملاً؛لا يكلف،ولا يجازى.
وهو يتضمن تكرير إنكاره للحشر،والدلالة عليه من حيث إن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح،والتكاليف لا يتحقق إلا بالمجازاة،وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة"ا.هـ.
"تفسير البيضاوي"2/551.
وقال أبو السعود-رحمه الله-:"قوله:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"أي:يخلى مهملاً؛فلا يكلف،ولا يجزى"ا.هـ.
"إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم"5/300.
وقال ابن قيم الجوزية-رحمه الله-:"والقولان متلازمان؛فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب،وهو الأمر والنهي،والآخَر ذكر غاية الأمر والنهي،ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب"ا.هـ.
"بدائع الفوائد"3/22.
وقال أيضاً:"والصحيح الأمران فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر والنهي"أ.هـ.
"مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"1/55،وانظر:"مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"2/45.

التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
عبدالله القحطاني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-Oct-2008, 02:06 PM   #2
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
رقم العضوية: 263
المشاركات: 88
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 263
عدد المشاركات : 88
بمعدل : 0.02 يوميا
عدد المواضيع : 6
عدد الردود : 82
الجنس : ذكر

إرسال رسالة عبر MSN إلى موسى العنزي
افتراضي

جزاكم الله خيراَ ،وبارك الله جهودكم.

موسى العنزي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-Oct-2008, 02:29 PM   #3
عضو متميز
افتراضي

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

التوقيع
للإشتراك المجاني في رسائل جوال ضد التغريب أرسل كلمة مشترك للرقم ( 0551915972 ) لشريحة سوى فقط , أوللإشتراك في الواتس آب لكل شرائح الجوال.
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=86061
زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08-Oct-2008, 09:49 AM   #4
عضو مؤسس
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة موسى العنزي مشاهدة المشاركة
جزاكم الله خيراَ ،وبارك الله جهودكم.
وإياكم،وبارك الله في الجميع...
التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
عبدالله القحطاني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08-Oct-2008, 09:50 AM   #5
عضو مؤسس
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زين العابدين مشاهدة المشاركة
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
بارك الله فيكم،ونفع بكم...
التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
عبدالله القحطاني غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 04:05 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir